|
في ظلال القرآن
الكريم
النساء من الاية 71 الى الاية 71 يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُواْ خُذُواْ حöذْرَكُمْ فَانفöرُواْ ثُبَاتٍ أَوö انفöرُواْ جَمöيعاً (71)
طاعته . ويقرر أن هذا القرآن كله من عنده ; ويدعوهم إلى تدبر الوحدة الكاملة فيه , الدالة على وحدة مصدره: (من يطع الرسول فقد أطاع الله). .(أفلا يتدبرون القرآن ? ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا). "ح" ثم نراه - بعد أن يصف حال المرجفين بالأنباء - يوجههم إلى الطريق الأسلم , المتفق مع قاعدة التنظيم القيادي للجماعة: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم , لعلمه الذين يستنبطونه منهم). . "ط" ويحذرهم من عاقبة هذا الطريق , وهو يذكرهم فضل الله عليهم في هدايتهم: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا). . ونستطيع أن ندرك مدى الخلخلة التي كانت تنشئها هذه الظواهر في الجماعة المسلمة ; والتي كانت تحتاج إلى مثل هذا الجهد الموصول , المنوع الأساليب . . حين نسمع الله - سبحانه - يأمر نبيه [ ص ] بأن يجاهد - ولو كان وحيدا - وأن يحرض المؤمنين على القتال . فيكون مسئولا عن نفسه فحسب:والله يتولى المعركة:(فقاتل في سبيل الله - لا تكلف إلا نفسك - وحرض المؤمنين , عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلًا). . وفي هذا الأسلوب ما فيه من استجاشة القلوب , واستثارة الهمم ; بقدر ما فيه من استجاشة الأمل في النصر , والثقة ببأس الله وقوته . . لقد كان القرآن يخوض المعركة بالجماعة المسلمة في ميادين كثيرة . وكان أولها ميدان النفس ضد الهواجس والوساوس وسوء التصور ورواسب الجاهلية , والضعف البشري - حتى ولو لم يكن صادرا عن نفاق أو انحراف - وكان يسوسها بمنهجه الرباني لتصل إلى مرتبة القوة , ثم إلى مرتبة التناسق في الصف المسلم . وهذه غاية أبعد وأطول أمدا . فالجماعة حين يوجد فيها الأقوياء كل القوة , لا يغنيها هذا , إذا وجدت اللبنات المخلخلة في الصف بكثرة . . ولا بد من التناسق مع اختلاف المستويات . . وهي تواجه المعارك الكبيرة . والآن نأخذ في مواجهة النصوص مواجهة تفصيلية: الدرس الأول:71 - 73 توجيهات جهادية والحذر من المثبطين (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم . فانفروا ثبات , أو انفروا جميعا . وإن منكم لمن ليبطئن . فإن أصابتكم مصيبة قال:قد أنعم الله علي , إذ لم أكن معهم شهيدا . ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن - كأن لم تكن بينكم وبينه مودة - يا ليتني كنت معهم , فأفوز فوزا عظيما). . إنها الوصية للذين آمنوا:الوصية من القيادة العليا , التي ترسم لهم المنهج , وتبين لهم الطريق . وإن الإنسان ليعجب , وهو يراجع القرآن الكريم ; فيجد هذا الكتاب يرسم للمسلمين - بصفة عامة طبعا - الخطة العامة للمعركة وهي ما يعرف باسم "استراتيجية المعركة " . ففي الآية الأخرى يقول للذين أمنوا: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار , وليجدوا فيكم غلظة). فيرسم الخطة العامة للحركة الإسلامية . وفي هذه الآية يقول للذين آمنوا: (خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعًا)وهي تبين ناحية من الخطة التنفيذية أو ما يسمى "التاكتيك" . وفي سورة الأنفال جوانب كذلك في الآيات:(فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون) . . . الآيات. وهكذا نجد هذا الكتاب لا يعلم المسلمين العبادات والشعائر فحسب ; ولا يعلمهم الآداب والأخلاق فحسب - كما يتصور الناس الدين ذلك التصور المسكين ! إنما هو يأخذ حياتهم كلها جملة . ويعرض لكل ما تتعرض له حياة الناس من ملابسات واقعية . . ومن ثم يطلب - بحق - الوصاية التامة على الحياة البشرية ; ولا يقبل من الفرد المسلم ولا من المجتمع المسلم , أقل من أن تكون حياته بجملتها من صنع هذا المنهج , وتحت تصرفه وتوجيهه . وعلى وجه التحديد لا يقبل من الفرد المسلم , ولا من المجتمع المسلم أن يجعل لحياته مناهج متعددة المصادر:منهجا للحياة الشخصية , وللشعائر والعبادات , والأخلاق والآداب , مستمدا من كتاب الله . ومنهجا للمعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية , مستمدا من كتاب أحد آخر ; أو من تفكير بشري على الإطلاق ! إن مهمة التفكير البشري أن تستنبط من كتاب الله ومنهجة أحكاما تفصيلية تطبيقية لأحداث الحياة المتجددة , وأقضيتها المتطورة - بالطريقة التي رسمها الله في الدرس السابق من هذه السورة - ولا شيء وراء ذلك . وإلا فلا أيمان أصلا ولا إسلام . لا إيمان ابتداء ولا إسلام , لأن الذين يفعلون ذلك لم يدخلوا بعد في الإيمان , ولم يعترفوا بعد بأركان الإسلام . وفي أولها:شهادة أن لا إله إلا الله , التي ينشأ منها أن لا حاكم إلا الله , وأن لا مشرع إلا الله . وها هو ذا كتاب الله يرسم للمسلمين جانبا من الخطة التنفيذية للمعركة ; المناسبة لموقفهم حينذاك . ولوجودهم بين العداوات الكثيرة في الخارج . والمنافقين وحلفائهم اليهود في الداخل . وهو يحذرهم ابتداء: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم). . خذو حذركم من عدوكم جميعا . وبخاصة المندسين في الصفوف من المبطئين , الذين سيرد ذكرهم في الآية: (فانفروا ثبات أو انفروا جميعًا). . ثبات . جميع ثبة:أي مجموعة . . والمقصود لا تخرجوا للجهاد فرادى . ولكن اخرجوا مجموعات صغيرة , أو الجيش كله . . حسب طبيعة المعركة . . ذلك أن الآحاد قد يتصيدهم الإعداء , المبثوثون في كل مكان . وبخاصة إذا كان هؤلاء الأعداء منبثين في قلب المعسكر الإسلامي . . وهم كانوا كذلك , ممثلين في المنافقين , وفي اليهود , في قلب المدينة . وإن منكم لمن ليبطئن . فإن أصابتكم مصيبة قال:قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا . ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن - كأن لم تكن بينكم وبينه مودة - يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيمًا . . انفروا جماعات نظامية . أو انفروا جميعا . ولا ينفر بعضكم ويتثاقل بعضكم - كما هو واقع - وخذوا حذركم . لا من العدو الخارجي وحده ; ولكن كذلك من المعوقين المبطئين المخذلين ; سواء كانوا يبطئون أنفسهم - أي يقعدون متثاقلين - أو يبطئون غيرهم معهم ; وهو الذي يقع عادة من المخذلين المثبطين ! ولفظة(ليبطئن)مختارة هنا بكل ما فيها من ثقل وتعثر ; وإن اللسان ليتعثر في حروفها وجرسها , حتى يأتي على آخرها , وهو يشدها شدا ; وإنها لتصور الحركة النفسية المصاحبة لها تصويرا كاملا بهذا التعثر والتثاقل في جرسها . وذلك من بدائع التصوير الفني في القرآن , الذي يرسم حالة كاملة بلفظة واحدة . وكذلك يشي تركيب الجملة كلها: (وإن منكم لمن ليبطئن), بأن هؤلاء المبطئين - وهم معدودون من المسلمين -(منكم)يزاولون عملية التبطئة كاملة , ويصرون عليها إصرارا , ويجتهدون فيها اجتهادا . . وذلك بأسلوب التوكيد بشتى المؤكدات في الجملة ! مما يوحي بشدة إصرار هذه المجموعة على التبطئة , وشدة أثرها في الصف المسلم ; وشدة ما يلقاه منها ! ومن ثم يسلط السياق الأضواء الكاشفة عليهم , وعلى دخيلة نفوسهم ; ويرسم حقيقتهم المنفرة , على السابق - التالي
|