إن المؤمن لا يتمنى البلاء بل يسأل الله العافية . ولكنه إذا ندب للجهاد خرج - غير متثاقل - خرج يسأل الله إحدى الحسنيين:النصر أو الشهادة . . وكلاهما فضل من الله ; وكلهما فوز عظيم . فيقسم له الله الشهادة , فإذا هو راض بما قسم الله ; أو فرح بمقام الشهادة عند الله . ويقسم له الله الغنيمة والإياب , فيشكر الله على فضله , ويفرح بنصر الله . لا لمجرد النجاة ! وهذا هو الأفق الذي أراد الله أن يرفع المسلمين إليه ; وهو يرسم لهم هذه الصورة المنفرة لذلك الفريق(منهم)وهو يكشف لهم عن المندسين في الصف من المعوقين , ليأخذوا منهم حذرهم ; كما يأخذون حذرهم من أعدائهم !
ومن وراء التحذير والاستنهاض للجماعة المسلمة في ذلك الزمان , يرتسم نموذج إنساني متكرر في بني الإنسان , في كل زمان ومكان , في هذه الكلمات المعدودة من كلمات القرآن !
ثم تبقى هذه الحقيقة تتملاها الجماعة المسلمة أبدا . وهي أن الصف قد يوجد فيه أمثال هؤلاء . فلا ييئس من نفسه . ولكن يأخذ حذره ويمضي . ويحاول بالتربية والتوجيه والجهد , أن يكمل النقص , ويعالج الضعف , وينسق الخطى والمشاعر والحركات !
الدرس الثاني:74 حث على القتال وترغيب فيه
ثم يمضي السياق يحاول أن يرفع ويطلق هؤلاء المبطئين المثقلين بالطين ! وأن يوقظ في حسهم التطلع إلى ما هو خير وأبقى . . الآخرة . . وأن يدفعهم إلى بيع الدنيا وشراء الآخرة . ويعدهم على ذلك فضل الله في الحالتين , وإحدى الحسنيين:النصر أو الشهادة:
فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة . ومن يقاتل في سبيل الله , فيقتل أو يغلب , فسوف نؤتيه أجرا عظيمًا . .
فليقاتل - في سبيل الله - فالإسلام لا يعرف قتالا إلا في هذا السبيل . لا يعرف القتال للغنيمة ولا يعرف القتال للسيطرة . ولا يعرف القتال للمجد الشخصي أو القومي !
إنه لا يقاتل للاستيلاء على الأرض ; ولا للاستيلاء على السكان . . لا يقاتل ليجد الخامات للصناعات , والأسواق للمنتجات ; أو لرؤوس الأموال يستثمرها في المستعمرات وشبه المستعمرات !
إنه لا يقاتل لمجد شخص . ولا لمجد بيت . ولا لمجد طبقة . ولا لمجد دولة , ولا لمجد أمة . ولا لمجد جنس . إنما يقاتل في سبيل الله . لإعلاء كلمة الله في الأرض . ولتمكين منهجه من تصريف الحياة . ولتمتيع البشرية بخيرات هذا المنهج , وعدله المطلق "بين الناس" مع ترك كل فرد حرا في اختيار العقيدة التي يقتنع بها . . في ظل هذا المنهج الرباني الإنساني العالمي العام . .
وحين يخرج المسلم ليقاتل في سبيل الله , بقصد إعلاء كلمة الله , وتمكين منهجه في الحياة . ثم يقتل . . يكون شهيدا . وينال مقام الشهداء عند الله . . وحين يخرج لأي هدف آخر - غير هذا الهدف - لا يسمى "شهيدًا ولا ينتظر أجره عند الله , بل عند صاحب الهدف الأخر الذي خرج له . . والذين يصفونه حينئذ بأنه "شهيد" يفترون على الله الكذب ; ويزكون أنفسهم أو غيرهم بغير ما يزكي به الله الناس . افتراء على الله !
فليقاتل في سبيل الله - بهذا التحديد . . من يريدون أن يبيعوا الدنيا ليشتروا بها الآخرة . ولهم - حينئذ - فضل من الله عظيم ; في كلتا الحالتين:سواء من يقتل في سبيل الله ; ومن يغلب في سبيل الله أيضا:
ومن يقاتل - في سبيل الله - فيقتل أو يغلب , فسوف نؤتيه أجرا عظيمًا . .