بهذه اللمسة يتجه المنهج القرآني إلى رفع هذه النفوس ; وإلى تعليقها بالرجاء في فضل الله العظيم , في كلتا الحالتين . وأن يهون عليها ما تخشاه من القتل , وما ترجوه من الغنيمة كذلك ! فالحياة أو الغنيمة لا تساوي شيئا إلى جانب الفضل العظيم من الله . كما يتجه إلى تنفيرها من الصفقة الخاسرة إذا هي اشترت الدنيا بالآخرة ولم تشتر الآخرة بالدنيا [ ولفظ يشري من ألفاظ الضد فهي غالبا بمعنى يبيع ] فهي خاسرة سواء غنموا أو لم يغنموا في معارك الأرض . وأين الدنيا من الآخرة ? وأين غنيمة المال من فضل الله ? وهو يحتوي المال - فيما يحتويه - ويحتوي سواه ?!
الدرس الثالث:75 التصور الإسلامي للبلد والأرض والوطن
ثم يلتفت السياق إلى المسلمين . يلتفت من أسلوب الحكاية والتصوير عن أولئك المبطئين ; إلى أسلوب الخطاب للجماعة المسلمة كلها . يلتفت إليها لاستجاشة مروءة النفوس , وحساسية القلوب ; تجاه المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ; الذين كانوا يقاسون في مكة ما يقاسون على أيدي المشركين غير قادرين على الهجرة إلى دار الإسلام والفرار بدينهم وعقيدتهم ; وهم يتطلعون إلى الخلاص , ويدعون الله أن يجعل لهم مخرجا من دار الظلم والعدوان . . يلتفت هذه الالتفاتة ليوحي إليهم بسمو المقصد , وشرف الغاية , ونبل الهدف , في هذا القتال , الذي يدعوهم أن ينفروا إليه , غير متثاقلين ولا مبطئين . وذلك في أسلوب تحضيضي ; يستنكر البطء والقعود:
(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله , والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان . الذين يقولون:ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها , واجعل لنا من لدنك وليا , واجعل لنا من لدنك نصيرا ?). .
وكيف تقعدون عن القتال في سبيل الله ; واستنفاذ هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ? هؤلاء الذين ترتسم صورهم في مشهد مثير لحمية المسلم , وكرامة المؤمن , ولعاطفة الرحمة الإنسانية على الإطلاق ? هؤلاء الذين يعانون أشد المحنة والفتنة ; لأنهم يعانون المحنة في عقيدتهم , والفتنة في دينهم . والمحنة في العقيدة أشد من المحنة في المال والأرض والنفس والعرض , لأنها محنة في أخص خصائص الوجود الإنساني , الذي تتبعه كرامة النفس والعرض , وحق المال والأرض !
ومشهد المرأة الكسيرة والولد الضعيف , مشهد مؤثر مثير . لا يقل عنه مشهد الشيوخ الذين لا يملكون أن يدفعوا - وبخاصة حين يكون الدفع عن الدين والعقيدة - وهذا المشهد كله معروض في مجال الدعوة إلى الجهاد . وهو وحده يكفي . لذلك يستنكر القعود عن الاستجابة لهذه الصرخات . . وهو أسلوب عميق الوقع , بعيد الغور في مسارب الشعور والإحساس .
ولا بد من لفتة هنا إلى التصور الإسلامي للبلد والأرض والوطن:إن (هذه القرية الظالم أهلها)التي يعدها الإسلام - في موضعها ذاك - دار حرب , يجب أن يقاتل المسلمون لاستنقاذ المسلمين المستضعفين منها , هي "مكة " وطن المهاجرين , الذين يدعون هذه الدعوة الحارة إلى قتال المشركين فيها . ويدعو المسلمون المستضعفين هذه الدعوة الحادة للخروج منه !
إن كونها بلدهم لم يغير وضعها في نظر الإسلام - حين لم تقم فيها شريعة الله ومنهجه ; وحين فتن فيها المؤمنون عن دينهم , وعذبوا في عقيدتهم . . بل اعتبرت بالنسبة لهم هم أنفسهم "دار حرب" . . دار حرب , هم لا يدافعون عنها , وليس هذا فحسب بل هم يحاربونها لإنقاذ إخوتهم المسلمين منها . . إن راية المسلم التي يحامي عنها هي عقيدته . ووطنه الذي يجاهد من أجله هو البلد الذي تقام شريعة الله فيه ; وأرضه التي يدفع عنها هي