ذلك أن التسامح هنا ليس تسامحا . إنما هو تميع . والإسلام عقيدة التسامح . ولكنه ليس عقيدة "التميع" . إنه تصور جاد . ونظام جاد . والجد لا ينافي التسامح . ولكنه ينافي التميع .
وفي هذه اللفتات واللمسات من المنهج القرآني للجماعة المسلمة الأولى , بيان , وبلاغ . .
الدرس الثالث:90 توجيه للتعامل مع المحايدين من الكافرين
ثم استثنى من هذا الحكم - حكم الأسر والقتل - لهذا الصنف من المنافقين , الذين يعينون أعداء المسلمين - من يلجأون إلى معسكر بينه وبين الجماعة الإسلامية عهد - عهد مهادنه أو عهد ذمة - ففي هذه الحالة يأخذون حكم المعسكر الذي يلتجئون إليه , ويتصلون به:
(إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق). .
ويبدو في هذا الحكم اختيار الإسلام للسلم , حيثما وجد مجالًا للسلم لا يتعارض مع منهجه الأساسي . من حرية الإبلاغ وحرية الاختيار ; وعدم الوقوف في وجه الدعوة , بالقوة مع كفالة الأمن للمسلمين ; وعدم تعريضهم للفتنة , أو تعريض الدعوة الإسلامية ذاتها للتجميد والخطر .
ومن ثم يجعل كل من يلجأ ويتصل ويعيش بين قوم معاهدين - عهد ذمة أو عهد هدنة - شأنه شأن القوم المعاهدين . يعامل معاملتهم , ويسالم مسالمتهم . وهي روح سلمية واضحة المعالم في مثل هذه الأحكام .
كذلك يستثني من الأسر والقتل جماعة أخرى . هي الأفراد أو القبائل أو المجموعات التي تريد أن تقف على الحياد , فيما بين قومهم وبين المسلمين من قتال . إذ تضيق صدورهم أن يقاتلوا المسلمين مع قومهم . كما تضيق صدورهم أن يقاتلوا قومهم مع المسلمين . فيكفوا أيديهم عن الفريقين بسبب هذا التحرج من المساس بهؤلاء أو هؤلاء:
أو جاؤوكم , حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم . .
وواضح كذلك في هذا الحكم الرغبة السلمية في اجتناب القتال ; حيثما كف الآخرون عن التعرض للمسلمين ودعوتهم ; واختاروا الحياد بينهم وبين المحاربين لهم . وهؤلاء الذين يتحرجون أن يحاربوا المسلمين أو يحاربوا قومهم . . كانوا موجودين في الجزيرة ; وفي قريش نفسها ; ولم يلزمهم الإسلام أن يكونوا معه أو عليه . فقد كان حسبه ألا يكونوا عليه . . كما أنه كان المرجو من أمرهم أن ينحازوا إلى الإسلام , حينما تزول الملابسات التي تحرجهم من الدخول فيه ; كما وقع بالفعل .
ويحبب الله المسلمين في انتهاج هذه الخطة مع المحايدين المتحرجين . فيكشف لهم عن الفرض الثاني الممكن في الموقف ! فلقد كان من الممكن - بدل أن يقفوا هكذا على الحياد متحرجين - أن يسلطهم الله على المسلمين فيقاتلوهم مع أعدائهم المحاربين ! فأما وقد كفهم الله عنهم على هذا النحو , فالسلم أولى , وتركهم وشأنهم هو السبيل:
(ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم . فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم , وألقوا إليكم السلم . فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً). .
وهكذا يلمس المنهج التربوي الحكيم نفوس المسلمين المتحمسين , الذين قد لا يرضون هذا الموقف من هذا الفريق . يلمسه بما في هذا الموقف من فضل الله وتدبيره ; ومن كف لجانب من العداء والأذى كان سيضاعف