العبء على عاتق المسلمين . ويعلمهم أن يأخذوا الخير الذي يعرض فلا يرفضوه , ويجتنبوا الشر الذي يأخذ طريقه بعيدا عنهم , فلا يناوشوة . . طالما أن ليس في هذا كله تفريط في شيء من دينهم , ولا تمييع لشيء من عقيدتهم ; ولا رضى بالدنية في طلب السلم الرخيصة ! لقد نهاهم عن السلم الرخيصة . لأنه ليس الكف عن القتال بأي ثمن هو غاية الإسلام . . إنما غاية الإسلام:السلم التي لا تتحيف حقا من حقوق الدعوة , ولا من حقوق المسلمين . . لا حقوق أشخاصهم وذواتهم ; ولكن حقوق هذا المنهج الذي يحملونه ويسمون به مسلمين .
وإن من حق هذا المنهج أن تزال العقبات كلها من طريق إبلاغ دعوته وبيانه للناس في كل زاوية من زوايا الأرض . وأن يكون لكل من شاء - ممن بلغتهم الدعوة - أن يدخل فيه فلا يضار ولا يؤذي في كل زاوية من زوايا الأرض . وأن تكون هناك القوة التي يخشاها كل من يفكر في الوقوف في وجه الدعوة - في صورة من الصور - أو مضارة من يؤمن بها - أي لون من ألوان المضارة - وبعد ذلك فالسلم قاعدة . والجهاد ماض إلى يوم القيامة .
الدرس الرابع:91 أمر بقتال المحاربين
ولكن هناك طائفة أخرى , لا يتسامح معها الإسلام هذا التسامح . لأنها طائفة منافقة شريرة كالطائفة الأولى . وليست مرتبطة بميثاق ولا متصلة بقوم لهم ميثاق . فإلاسلام إزاءها إذن طليق . يأخذها بما اخذ به طائفة المنافقين الأولى:
ستجدون آخرين , يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم . كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها . فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم , ويكفوا أيديهم ; فخذوهم , واقتلوهم حيث ثقفتموهم , وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينًا . .
حكى ابن جرير عن مجاهد , أنها نزلت في قوم من أهل مكة , كانوا يأتون النبي [ ص ] فيسلمون رياء ; ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان , يبتغون بذلك أن يأمنوا ها هنا , وها هنا . فأمر بقتلهم - إن لم يعتزلوا ويصلحوا - ولهذا قال تعالى: (فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم)[ المهادنة والصلح ] (ويكفوا أيديهم)[ أي عن القتال ](فخذوهم)[ أسراء ] (واقتلوهم حيث ثقفتموهم)[ أي حيث وجدتموهم ] (وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينًا).
وهكذا نرى صفحة من حسم الإسلام وجديته , إلى جانب سماحته وتغاضيه . . هذه في موضعها , وتلك في موضعها . وطبيعة الموقف , وحقيقة الواقعة , هي التي تحدد هذه وتلك . .
ورؤية هاتين الصفحتين - على هذا النحو - كفيلة بأن تنشىء التوازن في شعور المسلم ; كما تنشىء التوازن في النظام الإسلامي - السمة الأساسية الأصيلة - فأما حين يجيء المتشددون فيأخذون الأمر كله عنفا وحماسة وشدة واندفاعا فليس هذا هو الإسلام ! وأما حين يجيء المتميعون المترققون المعتذرون عن الجهاد في الإسلام , كأن الإسلام في قفص الاتهام وهم يترافعون عن المتهم الفاتك الخطير ! فيجعلون الأمر كله سماحة وسلمًا وإغضاء وعفوا ; ومجرد دفاع عن الوطن الإسلامي وعن جماعة المسلمين - وليس دفعًا عن حرية الدعوة وإبلاغها لكل زاوية في الأرض بلا عقبة . وليس تأمينًا لأي فرد في كل زاوية من زوايا الأرض يريد أن يختار الإسلام عقيدة . وليس سيادة لنظام فاضل وقانون فاضل يأمن الناس كلهم في ظله , من اختار عقيدته ومن لم يخترها سواء . . فأما حينئذ فليس هذا هو الإسلام .