عذرهم البين وعجزهم عن الفرار:إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان , لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا . فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم , وكان الله عفوا غفورًا . .
ويمضي هذا الحكم إلى آخر الزمان ; متجاوزا تلك الحالة الخاصة التي كان يواجهها النص في تاريخ معين , وفي بيئة معينة . . يمضي حكما عاما ; يلحق كل مسلم تناله الفتنة في دينه في أية أرض ; وتمسكه أمواله ومصالحه , أو قراباته وصداقاته ; أو إشفاقه من آلام الهجرة ومتاعبها . متى كان هناك - في الأرض في أي مكان - دار للإسلام ; يأمن فيها على دينه , ويجهر فيها بعقيدته , ويؤدي فيها عباداته ; ويحيا حياة إسلامية في ظل شريعة الله , ويستمتع بهذا المستوى الرفيع من الحياة . .
الدرس الثالث 100-:قبول هجرة المهاجر ولو مات قبل الوصول
أما السياق القرآني فيمضي في معالجة النفوس البشرية ; التي تواجه مشاق الهجرة ومتاعبها ومخاوفها ; وتشفق من التعرض لها . وقد عالجها في الآيات السابقة بذلك المشهد المثير للاشمئزاز والخوف معا . فهو يعالجها بعد ذلك ببث عوامل الطمأنينة - سواء وصل المهاجر إلى وجهته أو مات في طريقه - في حالة الهجرة في سبيل الله , وبضمان الله للمهاجر منذ ان يخرج من بيته مهاجرا في سبيله . ووعده بالسعة والمتنفس في الأرض والمنطلق , فلا تضيق به الشعاب والفجاج:
(ومن يهاجر - في سبيل الله - يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة . ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله - ثم يدركه الموت - فقد وقع أجره على الله . وكان الله غفورا رحيما). .
إن المنهج الرباني القرآني يعالج في هذه الآية مخاوف النفس المتنوعة ; وهي تواجه مخاطر الهجرة ; في مثل تلك الظروف التي كانت قائمة ; والتي قد تتكرر بذاتها أو بما يشابهها من المخاوف في كل حين .
وهو يعالج هذه النفس في وضوح وفصاحة ; فلا يكتم عنها شيئا من المخاوف ; ولا يداري عنها شيئا من الأخطار - بما في ذلك خطر الموت - ولكنه يسكب فيها الطمأنينة بحقائق أخرى وبضمانة الله سبحانه وتعالى . .
فهو أولا يحدد الهجرة بأنها (في سبيل الله). . وهذه هي الهجرة المعتبرة في الإسلام . فليست هجرة للثراء , أو هجرة للنجاة من المتاعب , أو هجرة للذائذ والشهوات , أو هجرة لأي عرض من أعراض الحياة . ومن يهاجر هذه الهجرة - في سبيل الله - يجد في الأرض فسحة ومنطلقا فلا تضيق به الأرض , ولا يعدم الحيلة والوسيلة . للنجاة وللرزق والحياة:
(ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة). .
وإنما هو ضعف النفس وحرصها وشحها ; يخيل إليها أن وسائل الحياة والرزق , مرهونة بأرض , ومقيدة بظروف , ومرتبطة بملابسات لو فارقتها لم تجد للحياة سبيلا .
وهذا التصور الكاذب لحقيقة أسباب الرزق وأسباب الحياة والنجاة ; هو الذي يجعل النفوس تقبل الذل والضيم , وتسكت على الفتنة في الدين ; ثم تتعرض لذلك المصير البائس . مصير الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم . والله يقرر الحقيقة الموعودة لمن يهاجر في سبيل الله . . إنه سيجد في أرض الله منطلقا وسيجد فيها سعة . وسيجد الله في كل مكان يذهب إليه , يحييه ويرزقه وينجيه . .
ولكن الأجل قد يوافي في أثناء الرحلة والهجرة في سبيل الله . . والموت - كما تقدم في سياق السورة - لا علاقة له بالأسباب الظاهرة ; إنما هو حتم محتوم عندما يحين الأجل المرسوم . وسواء أقام أم هاجر , فإن