يا أيها الناس علمنا منطق الطير). وعذر الهدهد عن غيبته في ثنايا القصة يبدأ بقوله: (أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين). والذي عنده(علم)من الكتاب هو الذي يأتي بعرش الملكة في غمضة عين . . وافتتاح السورة عن القرآن كتاب الله المبين إلى المشركين . وهم يتلقونه بالتكذيب . وفي القصة كتاب سليمان تتلقاه ملكة سبأ , فما تلبث طويلا حتى تأتي هي وقومها مسلمين . لما رأته من القوى المسخرة لسليمان من الجن والإنس والطير . والله هو الذي سخر لسليمان ما سخر , وهو القاهر فوق عباده وهو رب العرش العظيم .
وفي السورة استعراض لنعم الله على العباد , وآياته في الكون , واستخلافه للناس وهم يجحدون بآيات الله , ولا يشكرونه . وفي القصة نموذج للعبد الشاكر , الذي يسأل ربه أن يوفقه إلى شكر نعمته عليه ; المتدبر لآيات الله الذي لا يغفل عنها , ولا تبطره النعمة , ولا تطغيه القوة . . فالمناسبات كثيرة وواضحة بين موضوع السورة وإشارات القصة ومواقفها .
وقصة سليمان مع ملكة سبأ نموذج واف للقصة في القرآن , ولطريقة الأداء الفني كذلك . فهي قصة حافلة بالحركة , وبالمشاعر , وبالمشاهد , وبتقطيع هذه المشاهد ووضع الفجوات الفنية بينها !
فلنأخذ في عرضها بالتفصيل:
الدرس الأول:15 - 19 وراثة سليمان لداود ومسيره مع جيشه
(ولقد آتينا داود وسليمان علما . وقالا:الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين).
هذه هي إشارة البدء في القصة وإعلان الافتتاح . خبر تقريري عن أبرز النعم التي أنعم الله بها على داود وسليمان - عليهما السلام نعمة العلم . فأما عن داود فقد ورد تفصيل ما آتاه الله من العلم في سور أخرى . منها تعليمه الترتيل بمقاطع الزبور , ترتيلا يتجاوب به الكون من حوله , فتؤوب الجبال معه والطير , لحلاوة صوته , وحرارة نبراته , واستغراقه في مناجاة ربه , وتجرده من العوائق والحواجز التي تفصل بينه وبين ذرات هذا الوجود . ومنها تعليمه صناعة الزرد وعدة الحرب , وتطويع الحديد له , ليصوغ منه من هذا ما يشاء . ومنها تعليمه القضاء بين الناس , مما شاركه فيه سليمان .
وأما سليمان ففي هذه السورة تفصيل ما علمه الله من منطق الطير وما إليه ; بالإضافة إلى ما ذكر في سور أخرى من تعليمه القضاء , وتوجيه الرياح المسخرة له بأمر الله .
تبدأ القصة بتلك الإشارة: (ولقد آتينا داود وسليمان علما)وقبل أن تنتهي الآية يجيء شكر داود وسليمان على هذه النعمة , وإعلان قيمتها وقدرها العظيم , والحمد لله الذي فضلهما بها على كثير من عباده المؤمنين . فتبرز قيمة العلم , وعظمة المنة به من الله على العباد , وتفضيل من يؤتاه على كثير من عباد الله المؤمنين .
ولا يذكر هنا نوع العلم وموضوعه لأن جنس العلم هو المقصود بالإبراز والإظهار . وللإيحاء بأن العلم كله هبة من الله , وبأن اللائق بكل ذي علم أن يعرف مصدره , وأن يتوجه إلى الله بالحمد عليه , وأن ينفقه فيما يرضي الله الذي أنعم به وأعطاه . فلا يكون العلم مبعدا لصاحبه عن الله , ولا منسيا له إياه . وهو بعض مننه وعطاياه
والعلم الذي يبعد القلب عن ربه علم فاسد , زائغ عن مصدره وعن هدفه . لا يثمر سعادة لصاحبه ولا للناس , إنما يثمر الشقاء والخوف والقلق والدمار , لأنه انقطع عن مصدره , وانحرف عن وجهته , وضل طريقه إلى الله . .
ولقد انتهت البشرية اليوم إ لى مرحلة جيدة من مراحل العلم , بتحطيم الذرة واستخدامها . ولكن ماذا جنت البشرية حتى اليوم من مثل هذا العلم الذي لا يذكر أصحابه الله , ولا يخشونه , ولا يحمدون له , ولا يتوجهون