الخبء في السماوات والأرض). والخبء:المخبوء إجمالا سواء أكان هو مطر السماء ونبات الأرض , أم كان هو أسرار السماوات والأرض . وهي كناية عن كل مخبوء وراء ستار الغيب في الكون العريض . (ويعلم ما تخفون وما تعلنون)وهي مقابلة للخبء في السماوات والأرض بالخبء في أطواء النفس . ما ظهر منه وما بطن . والهدهد إلى هذه اللحظة يقف موقف المذنب , الذي لم يقض الملك في أمره بعد ; فهو يلمح في ختام النبأ الذي يقصه , إلى الله الملك القهار , رب الجميع , صاحب العرش العظيم , الذي لا تقاس إليه عروش البشر . ذلك كي يطامن الملك من عظمته الإنسانية أمام هذه العظمة الإلهية:
(الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم). .
فيلمس قلب سليمان - في سياق التعقيب على صنع الملكة وقومها - بهذه الإشارة الخفية !
ونجد أنفسنا أمام هدهد عجيب . صاحب إدراك وذكاء وإيمان , وبراعة في عرض النبأ , ويقظة إلى طبيعة موقفه , وتلميح وإيماء أريب . . فهو يدرك أن هذه ملكة وأن هؤلاء رعية . ويدرك أنهم يسجدون للشمس من دون الله . ويدرك أن السجود لا يكون إلا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض , وأنه هو رب العرش العظيم . . وما هكذا تدرك الهداهد . إنما هو هدهد خاص أوتي هذا الإدراك الخاص , على سبيل الخارقة التي تخالف المألوف .
ولا يتسرع سليمان في تصديقه أو تكذيبه ; ولا يستخفه النبأ العظيم الذي جاءه به . إنما يأخذ في تجربته , للتأكد من صحته . شأن النبي العادل والملك الحازم:
(قال:سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين . اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم , ثم تول عنهم , فانظر ماذا يرجعون).
ولا يعلن في هذا الموقف فحوى الكتاب , فيظل ما فيه مغلقا كالكتاب نفسه , حتى يفتح ويعلن هناك . وتعرض المفاجأة الفنية في موعدها المناسب !
ويسدل الستار على هذا المشهد ليرفع فإذا الملكة وقد وصل إليها الكتاب , وهي تستشير الملأ من قومها في هذا الأمر الخطير:
قالت:يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم . إنه من سليمان , وإنه باسم الله الرحمن الرحيم . ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين . .
فهي تخبرهم أنه ألقي إليها كتاب . ومن هذا نرجح أنها لم تعلم من ألقى إليها الكتاب , ولا كيف ألقاه . ولو كانت تعرف أن الهدهد هو الذي جاء به - كما تقول التفاسير - لأعلنت هذه العجيبة التي لا تقع كل يوم . ولكنها قالت بصيغة المجهول . مما يجعلنا نرجح أنها لم تعلم كيف ألقي إليها ولا من ألقاه .
وهي تصف الكتاب بأنه(كريم). وهذا الوصف ربما خطر لها من خاتمه أو شكله . أو من محتوياته التي أعلنت عنها للملأ: إنه من سليمان , وإنه بسم الله الرحمن الرحيم . ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين . . وهي كانت لا تعبد الله . ولكن صيت سليمان كان ذائعا في هذه الرقعة , ولغة الكتاب التي يحكيها القرآن فيها استعلاء وحزم وجزم . مما قد يوحي إليها بهذا الوصف الذي أعلنته .
وفحوى الكتاب في غاية البساطة والقوة فهو مبدوء باسم الله الرحمن الرحيم . ومطلوب فيه أمر واحد: