ألا يستكبروا على مرسله ويستعصوا , وأن يأتوا إليه مستسلمين لله الذي يخاطبهم باسمه . ألقت الملكة إلى الملأ من قومها بفحوى الكتاب ; ثم استأنفت الحديث تطلب مشورتهم , وتعلن إليهم أنها لن تقطع في الأمر إلا بعد هذه المشورة , برضاهم وموافقتهم:
قالت:يا أيها الملأ أفتوني في أمري ماكنت قاطعة أمرا حتى تشهدون . .
وفي هذا تبدو سمة الملكة الأريبة ; فواضح منذ اللحظة الأولى أنها أخذت بهذا الكتاب الذي ألقي إليها من حيث لا تعلم , والذي يبدو فيه الحزم والاستعلاء . وقد نقلت هذا الأثر إلى نفوس الملأ من قومها وهي تصف الكتاب بأنه(كريم)وواضح أنها لا تريد المقاومة والخصومة , ولكنها لا تقول هذا صراحة , إنما تمهد له بذلك الوصف . ثم تطلب الرأي بعد ذلك والمشورة !
وعلى عادة رجال الحاشية أبدوا استعدادهم للعمل . ولكنهم فوضوا للملكة الرأي:
قالوا:نحن أولو قوة وأولو بأس شديد . والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين .
وهنا تظهر شخصية "المرأة " من وراء شخصية الملكة . المرأة التي تكره الحروب والتدمير , والتي تنضي سلاح الحيلة والملاينة قبل أن تنضي سلاح القوة والمخاشنة:
قالت:إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها , وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون . وإني مرسله إليهم بهدية فناظره بم يرجع المرسلون !
فهي تعرف أن من طبيعة الملوك أنهم إذا دخلوا قرية [ والقرية تطلق على المدينة الكبيرة ] أشاعوا فيها الفساد , وأباحوا ذمارها , وانتهكوا حرماتها , وحطموا القوة المدافعة عنها , وعلى رأسها رؤساؤها ; وجعلوهم أذلة لأنهم عنصر المقاومة . وأن هذا هو دأبهم الذي يفعلونه .
والهدية تلين القلب , وتعلن الود , وقد تفلح في دفع القتال . وهي تجربة . فإن قبلها سليمان فهو إذن أمر الدنيا , ووسائل الدنيا إذن تجدي . وإن لم يقبلها فهو إذن أمر العقيدة , الذي لا يصرفه عنه مال , ولا عرض من أعراض هذه الأرض .
ويسدل الستار على المشهد , ليرفع , فإذا مشهد رسل الملكة وهديتهم أمام سليمان . وإذا سليمان ينكر عليهم اتجاههم إلى شرائه بالمال , أو تحويله عن دعوتهم إلى الإسلام . ويعلن في قوة وإصرار تهديده ووعيده الأخير .
(فلما جاء سليمان قال:أتمدونن بمال ? فما آتاني الله خير مما آتاكم . بل أنتم بهديتكم تفرحون . ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها , ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون). .
وفي الرد استهزاء بالمال , واستنكار للاتجاه إليه في مجال غير مجاله . مجال العقيدة والدعوة: (أتمدونن بمال ?)أتقدمون لي هذا العرض التافه الرخيص ? (فما آتاني الله خير مما آتاكم)لقد آتاني من المال خيرا مما لديكم . ولقد آتاني ما هو خير من المال على الإطلاق:العلم والنبوة . وتسخير الجن والطير , فما عاد شيء من عرض الأرض يفرحني (بل أنتم بهديتكم تفرحون). وتهشون لهذا النوع من القيم الرخيصة التي تعني أهل الأرض , الذين لا يتصلون بالله , ولا يتلقون هداياه !
ثم يتبع هذا الاستنكار بالتهديد: ارجع إليهم بالهدية وانتظروا المصير المرهوب: (فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها)جنود لم تسخر للبشر في أي مكان , ولا طاقة للملكة وقومها بهم في نضال: (ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون)مدحورون مهزومون .