ويسدل الستار على هذا المشهد العنيف وينصرف الرسل , ويدعهم السياق لا يشير إليهم بكلمة كأنما قضي الأمر , وانتهى الكلام في هذا الشأن .
ثم إذا سليمان - عليه السلام - يدرك أن هذا الرد سينهي الأمر مع ملكة لا تريد العداء - كما يبدو من طريقتها في مقابلة رسالته القوية بهدية ! - ويرجح أنها ستجيب دعوته . أو يؤكد . وقد كان .
ولكن السياق لا يذكر كيف عاد رسلها إليها , ولا ماذا قالوا لها , ولا ماذا اعتزمت بعدها . إنما يترك فجوة نعلم مما بعدها أنها قادمة , وأن سليمان يعرف هذا , وأنه يتذاكر مع جنوده في استحضار عرشها , الذي خلفته في بلادها محروسا مصونا:
(قال:يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ? قال عفريت من الجن:أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك . وإني عليه لقوي أمين . قال الذي عنده علم من الكتاب:أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك). .
ترى ما الذي قصد إليه سليمان - عليه السلام - من استحضار عرشها قبل مجيئها مسلمة مع قومها ? نرجح أن هذه كانت وسيلة لعرض مظاهر القوة الخارقة التي تؤيده , لتؤثر في قلب الملكة وتقودها إلى الإيمان بالله , والإذعان لدعوته .
وقد عرض عفريت من الجن أن يأتيه به قبل انقضاء جلسته هذه . وكان يجلس للحكم والقضاء من الصبح إلى الظهر فيما يروى . فاستطول سليمان هذه الفترة واستبطأها - فيما يبدو - فإذا (الذي عنده علم من الكتاب)يعرض أن يأتي به في غمضة عين قبل أن يرتد إليه طرفه , ولا يذكر اسمه , ولا الكتاب الذي عنده علم منه . إنما نفهم أنه رجل مؤمن على اتصال بالله , موهوب سرا من الله يستمد به من القوة الكبرى التي لا تقف لها الحواجز والأبعاد . وهو أمر يشاهد أحيانا على أيدي بعض المتصلين , ولم يكشف سره ولا تعليله , لأنه خارج عن مألوف البشر في حياتهم العادية . وهذا أقصى ما يقال في الدائرة المأمونة التي لا تخرج إلى عالم الأساطير والخرافات !
ولقد جرى بعض المفسرين وراء قوله: (عنده علم من الكتاب)فقال بعضهم:إنه التوراة . وقال بعضهم:إنه كان يعرف اسم الله الأعظم . وقال بعضهم غير هذا وذاك . وليس فيما قيل تفسير ولا تعليل مستيقن . والأمر أيسر من هذا كله حين ننظر إليه بمنظار الواقع , فكم في هذا الكون من أسرار لا نعلمها , وكم فيه من قوى لا نستخدمها . وكم في النفس البشرية من أسرار كذلك وقوى لا نهتدي إليها . فحيثما أراد الله هدى من يريد إلى أحد هذه الأسرار وإلى واحدة من هذه القوى فجاءت الخارقة التي لا تقع في مألوف الحياة , وجرت بإذن الله وتدبيره وتسخيره , حيث لا يملك من لم يرد الله أن يجريها على يديه أن يجريها .
وهذا الذي عنده علم من الكتاب , كانت نفسه مهيأة بسبب ما عنده من العلم , أن تتصل ببعض الأسرار والقوى الكونية التي تتم بها تلك الخارقة التي تمت على يده , لأن ما عنده من علم الكتاب وصل قلبه بربه على نحو يهيئه للتلقي , ولاستخدام ما وهبه الله من قوى وأسرار .
وقد ذكر بعض المفسرين أنه هو سليمان نفسه - عليه السلام - ونحن نرجح أنه غيره . فلو كان هو لأظهره السياق باسمه ولما أخفاه . والقصة عنه , ولا داعي لإخفاء اسمه فيها عند هذا الموقف الباهر . وبعضهم قال:إن اسمه آصف ابن برخيا ولا دليل عليه .