ذي الجلال والإكرام , مرتفعة مشاعرهم إلى ذلك الأفق الوضيء , مشغولة خواطرهم بنجاء الله ودعائه والتوجه إليه في محضره العظيم . ويؤتون الزكاة . . فيطهرون نفوسهم من رذيلة الشح ; ويستعلون بأرواحهم على فتنة المال ; ويصلون إخوانهم في الله ببعض ما رزقهم الله ; ويقومون بحق الجماعة المسلمة التي هم فيها أعضاء .
وهم بالآخرة هم يوقنون . . فإذا حساب الآخرة يشغل بالهم , ويصدهم عن جموح الشهوات , ويغمر أرواحهم بتقوى الله وخشيته والحياء من الوقوف بين يديه موقف العصاة .
هؤلاء المؤمنون الذاكرون الله , القائمون بتكاليفه , المشفقون من حسابه وعقابه , الطامعون فى رضائه وثوابه . . هؤلاء هم الذين تنفتح قلوبهم للقرآن , فإذا هو هدى وبشرى . وإذا هو نور في أرواحهم , ودفعة في دمائهم , وحركة في حياتهم . وإذا هو زادهم الذي به يبلغون ; وريهم الذي به يشتفون .
وعند ذكر الآخرة يركز عليها ويؤكد في صورة التهديد والوعيد لمن لا يؤمنون بها , فيسدرون في غيهم , حتى يلاقوا مصيرهم الوخيم:
إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فيهم يعمهون . أؤلئك الذين لهم سوء العذاب , وهم في الآخرة هم الأخسرون . .
والإيمان بالآخرة هو الزمام الذي يكبح الشهوات والنزوات , ويضمن القصد والاعتدال في الحياة . والذي لا يعتقد بالآخرة لا يملك أن يحرم نفسه شهوة أو يكبح فيها نزوة , وهو يظن أن الفرصة الوحيدة المتاحة له للمتاع هي فرصة الحياة على هذا الكوكب , وهي قصيرة مهما طالت . وما تكاد تتسع لشيء من مطالب النفوس وأمانيها التي لا تنال ! ثم ما الذي يمسكه حين يملك إرضاء شهواته ونزواته , وتحقيق لذاته ورغباته ; وهو لا يحسب حساب وقفة بين يدي الله ; ولا يتوقع ثوابا ولا عقابا يوم يقوم الأشهاد ?
ومن ثم يصبح كل تحقيق للشهوة واللذة مزينا للنفس التي لا تؤمن بالآخرة , تندفع إليه بلا معوق من تقوى أو حياء . والنفس مطبوعة على أن تحب ما يلذ لها , وأن تجده حسنا جميلا ; ما لم تهتد بآيات الله ورسالاته إلى الإيمان بعالم آخر باق بعد هذا العالم الفاني . فإذا هي تجد لذتها في أعمال أخرى وأشواق أخرى , تصغر إلى جوارها لذائذ البطون والأجسام !
والله - سبحانه - هو الذي خلق النفس البشرية على هذا النحو ; وجعلها مستعدة للاهتداء إن تفتحت لدلائل الهدي , مستعدة للعماء إن طمست منافذ الإدراك فيها . ومشيئته نافذة - وفق سنته التي خلق النفس البشرية عليها - في حالتي الاهتداء والعماء . ومن ثم يقول القرآن عن الذين لا يؤمنون بالآخرة: (زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون). . فهم لم يؤمنوا بالآخرة فنفذت سنة الله في أن تصبح أعمالهم وشهواتهم مزينة لهم حسنة عندهم . . وهذا هو معنى التزيين في هذا المقام . فهم يعمهون لا يرون ما فيها من شر وسوء . أو فهم حائرون لا يهتدون فيها إلى صواب .
والعاقبة معروفة لمن يزين له الشر والسوء:(أولئك الذين لهم سوء العذاب . وهم في الآخرة هم الأخسرون). . سواء كان سوء العذاب لهم فى الدنيا أو فى الآخرة , فالخسارة المطلقة فى الآخرة , محققة جزاء وفاقا على الاندفاع في سوء الأعمال .
وتنتهي مقدمة السورة بإثبات المصدر الإلهي الذي يتنزل منه هذا القرآن على رسول الله [ ص ]:(وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم). .