(فلما رآه مستقرا عنده قال:هذا من فضل ربي , ليبلوني أأشكر أم أكفر ? ومن شكر فإنما يشكر لنفسه , ومن كفر فإن ربي غني كريم).
لقد لمست هذه المفاجأة الضخمة قلب سليمان - عليه السلام - وراعه أن يحقق الله له مطالبه على هذا النحو المعجز ; واستشعر أن النعمة - على هذا النحو - ابتلاء ضخم مخيف ; يحتاج إلى يقظة منه ليجتازه , ويحتاج إلى عون من الله ليتقوى عليه ; ويحتاج إلى معرفة النعمة والشعور بفضل المنعم , ليعرف الله منه هذا الشعور فيتولاه . والله غني عن شكر الشاكرين , ومن شكر فإنما يشكر لنفسه , فينال من الله زيادة النعمة , وحسن المعونة على اجتياز الابتلاء . ومن كفر فإن الله(غني)عن الشكر(كريم)يعطي عن كرم لا عن ارتقاب للشكر على العطاء .
وبعد هذه الانتفاضة أمام النعمة والشعور بما وراءها من الابتلاء يمضي سليمان - عليه السلام - في تهيئة المفاجآت للملكة القادمة عما قليل:
(قال:نكروا لها عرشها . ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون).
غيروا معالمه المميزة له , لنعرف إن كانت فراستها وفطنتها تهتدي إليه بعد هذا التنكير . أم يلبس عليها الأمر فلا تنفذ إلى معرفته من وراء هذا التغيير .
ولعل هذا كان اختبارا من سليمان لذكائها وتصرفها , في أثناء مفاجأتها بعرشها . ثم إذا مشهد الملكة ساعة الحضور:
(فلما جاءت قيل:أهكذا عرشك ? قالت:كأنه هو). .
إنها مفاجأة ضخمة لا تخطر للملكة على بال . فأين عرشها في مملكتها , وعليها أقفالها وحراسها . . أين هو من بيت المقدس مقر ملك سليمان ? وكيف جيء به ? ومن ذا الذي جاء به ?
ولكن العرش عرشها من وراء هذا التغيير والتنكير !
ترى تنفي أنه هو بناء على تلك الملابسات ? أم تراها تقول:إنه هو بناء على ما تراه فيه من أمارات ? وقد انتهت إلى جواب ذكي أريب: (قالت:كأنه هو)لا تنفي ولا تثبت , وتدل على فراسة وبديهة في مواجهة المفاجأة العجيبة .
وهنا فجوة في السياق . فكأنما أخبرت بسر المفاجأة . فقالت:إنها استعدت للتسليم والإسلام من قبل أي منذ اعتزمت القدوم على سليمان بعد رد الهدية .
(وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين). .
ثم يتدخل السياق القرآني لبيان ما كان قد منعها قبل ذلك من الإيمان بالله وصدها عن الإسلام عندما جاءها كتاب سليمان ; فقد نشأت في قوم كافرين , فصدها عن عبادة الله عبادتها من دونه من خلقه , وهي الشمس كما جاء في أول القصة:
(وصدها ما كانت تعبد من دون الله . إنها كانت من قوم كافرين). .
وكان سليمان - عليه السلام - قد أعد للملكة مفاجأة أخرى , لم يكشف السياق عنها بعد , كما كشف عن المفاجأة الأولى قبل ذكر حضورها - وهذه طريقة أخرى في الأداء القرآني في القصة غير الطريقة الأولى :