هذه الحلقة القصيرة من قصة لوط تجيء مختصرة , تبرز هم قوم لوط بإخراجه , لأنه أنكر عليهم الفاحشة الشاذة التي كانوا يأتونها عن إجماع واتفاق وتعارف وعلانية . فاحشة الشذوذ الجنسي بإتيان الرجال , وترك النساء , على غير الفطرة التي فطر الله الناس عليها . بل عامة الأحياء .
وهي ظاهرة غريبة في تاريخ الجماعات البشرية . فقد يشذ أفراد , لأسباب مرضية نفسية أو لملابسات وقتية ; فيميل الذكور لإتيان الذكور ; وأكثر ما يكون هذا في معسكرات الجنود حيث لا يوجد النساء , أو في السجون التي يقيم فيها المسجونون فترات طويلة معرضين لضغط الميل الجنسي , محرومين من الاتصال بالنساء . . أما أن يشيع هذا الشذوذ فيصبح هو القاعدة في بلد بأسره , مع وجود النساء وتيسر الزواج , فهذا هو الحادث الغريب حقا في تاريخ الجماعات البشرية !
لقد جعل الله من الفطرة ميل الجنس إلى الجنس الآخر , لأنه جعل الحياة كلها تقوم على قاعدة التزواج . فقال:(سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض , ومن أنفسهم ومما لا يعلمون). فجعل الأحياء كلها أزواجا سواء نبات الأرض والأنفس وما لا يعلمه الناس في شتى المخلوقات . والتزاوج يبدو أصيلا في بناء الكون كله - فضلا على الأحياء - فالذرة ذاتها مؤلفة من كهارب وإلكترونات . أي من كهربائية إيجابية وأخرى سلبية . وهي وحدة الكائنات المكرورة فيها جميعا كما يبدو حتى الآن .
وعلى أية حال فالحقيقة المضمونة أن الأحياء كلها تقوم على قاعدة التزاوج . حتى التي لا يوجد لها من جنسها ذكر وأنثى تجتمع خلايا التذكير والتأنيث في آحادها , وتتكاثر بهذا الاجتماع .
ولما كان التزاوج هو قاعدة الحياة في ناموس الخلق , فقد جعل الله التجاذب بين الزوجين هو الفطرة , التي لا تحتاج إلى تعليم , ولا تتوقف علي تفكير . وذلك كي تسير الحياة في طريقها بدافع الفطرة الأصيل . والأحياء يجدون لذتهم في تحقيق مطالب الفطرة . والقدرة المدبرة تحقق ما تشاؤه من وراء لذتهم المودعة في كيانهم بلا وعي منهم ولا توجيه من غيرهم . وقد جعل الله تركيب أعضاء الأنثى وأعضاء الذكر , وميول هذا وتلك بحيث تحقق اللذة الفطرية من اجتماعهما . ولم يجعل هذا في أعضاء الذكرين وميولهما .
ومن ثم يكون عجيبا أن تنحرف الفطرة انحرافا جماعيا كما حدث في قوم لوط , بدون ضرورة دافعة إلى عكس اتجاه الفطرة المستقيم .
وهكذا واجه لوط قومه بالاستنكار والعجب مما يفعلون !
(ولوطا إذ قال لقومه:أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون ? أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ? بل أنتم قوم تجهلون). .
عجب في عبارته الأولى من إتيانهم هذه الفاحشة , وهم يبصرون الحياة في جميع أنواعها وأجناسها تجري على نسق الفطرة , وهم وحدهم الشواذ في وسط الحياة والأحياء . . وصرح في عبارته الثانية بطبيعة تلك الفاحشة . ومجرد الكشف عنها يكفي لإبراز شذوذها وغرابتها لمألوف البشرية , ولمألوف الفطرة جميعا . ثم دمغهم بالجهل بمعنييه:الجهل بمعنى فقدان العلم . والجهل بمعنى السفه والحمق . وكلا المعنيين متحقق في هذا الانحراف البغيض . فالذي لا يعرف منطق الفطرة يجهل كل شيء , ولا يعلم شيئا أصلا . والذي يميل هذا الميل عن الفطرة سفيه أحمق معتد على جميع الحقوق !
فماذا كان جواب قوم لوط على هذا الاستنكار للانحراف , وهذا التوجيه إلى وحي الفطرة السليمة ?