مقدمة هذا الدرس ختام سورة النمل , بعد استعراض حلقات من قصص موسى وداود وسليمان وصالح ولوط - عليهم السلام - وهذا الختام متصل بمطلع السورة في الموضوع . والقصص بينهما متناسق مع المطلع والختام . كل قصة تؤدي جانبا من جوانب الغرض الذي يعالجه سياق السورة كلها .
وهو يبدأ بالحمد لله , وبالسلام على من اصطفاهم من عباده , من الأنبياء والرسل , ومنهم الذين ورد قصصهم من قبل . يفتتح بذلك الحمد وهذا السلام جولة عن العقيدة . جولة في مشاهد الكون وأغوار النفس , وأطواء الغيب ; وفي أشراط الساعة ومشاهد القيامة , وأهوال الحشر , التي يفزع لها من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله .
في هذه الجولة يقفهم أمام مشاهدات في صفحة الكون وفي أطواء النفس , لا يملكون إنكار وجودها , ولا يملكون تعليلها بغير التسليم بوجود الخالق الواحد المدبر القدير .
ويتوالى عرض هذه المشاهدات في إيقاعات مؤثرة , تأخذ عليهم أقطار الحجة , وأقطار المشاعر ; وهو يسألهم أسئلة متلاحقة:من خلق السماوات والأرض ? من أنزل من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ? من جعل الأرض قرارا , وجعل خلالها أنهارا , وجعل لها رواسي , وجعل بين البحرين حاجزا ? من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ? من يجعلكم خلفاء الأرض ? من يهديكم في ظلمات البر والبحر ? من يرسل الرياح بشرا
بين يدي رحمته ? من يبدأ الخلق ثم يعيده ? من يرزقكم من السماء والأرض ? وفي كل مرة يقرعهم:أ إله مع الله ? وهم لا يملكون أن يدعوا هذه الدعوى . لا يملكون أن يقولوا:إن إلها مع الله يفعل من هذا كله شيئا ; وهم مع هذا يعبدون أربابا من دون الله ! وعقب هذه الإيقاعات القوية التي تقتحم القلوب , لأنها إيقاعات كونية تملأ صفحة الوجود من حولهم , أو إيقاعات وجدانية يحسونها في قلوبهم . . يستعرض تكذيبهم بالآخرة , وتخبطهم في أمرها , ويعقب عليه بتوجيه قلوبهم إلى مصارع الغابرين الذين كانوا مثلهم يكذبون ويتخبطون .
ويخلص من هذا إلى عرض مشهد الحشر وما فيه من هول ومن فزع . ويرجع بهم في ومضة خاطفة إلى الأرض , ثم يردهم إلى مشهد الحشر . وكأنما يهز قلوبهم هزا ويرجها رجا . . .
وفي نهاية الجولة يجيء الختام أشبه بالإيقاع الأخير عميقا رهيبا . . ينفض رسول الله [ ص ] يده من أمر المشركين المستهزئين بالوعيد , المكذبين بالآخرة , وقد وجه قلوبهم إلى مشاهد الكون وأهوال الحشر , وعواقب الطائعين والعصاة - ويتركهم إلى مصيرهم الذي يختارون ; ويحدد منهجه ووسيلته ولمن شاء أن يختار:
إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء , وأمرت أن أكون من المسلمين . و أن أتلو القرآن . فمن اهتدى فأنما يهتدي لنفسه , ومن ضل فقل:إنما أنا من المنذرين . . .
ثم يختم الجولة كما بدأها بحمد الله الذي يستأهل الحمد وحده ; ويكلهم إلى الله يريهم آياته ; ويطلع على أعمالهم ما ظهر منها وما بطن:
(وقل:الحمد لله . سيريكم آياته فتعرفونها . وما ربك بغافل عما تعملون). .
وتختم السورة بهذا الإيقاع المؤثر العميق .
الدرس الأول:59 - 64 أدلة كونية حياتية على الوحدانية
قل:الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى . آلله خير أم ما يشركون ? . .
يأمر الله رسوله [ ص ] أن يقول الكلمة التي تليق أن يفتتح بها المؤمن حديثه ودعوته وجداله , وأن يختمه كذلك: (قل:الحمد لله). . المستحق للحمد من عباده على آلائه , وفي أولها هدايتهم إليه , وإلى طريقه الذي يختاره , ومنهجه الذي يرضاه . (وسلام على عباده الذين اصطفى)لحمل رسالته وتبليغ دعوته , وبيان منهجه .
وبعد هذا الإفتتاح يأخذ في توقيعاته على القلوب المنكرة لآيات الله , مبتدئا بسؤال لا يحتمل إلا إجابة واحدة , يستنكر به أن يشركوا بالله هذه الآلهة المدعاة:
آلله خير أم ما يشركون ? . .
وما يشركون أصنام وأوثان , أو ملائكة وجن , أو خلق من خلق الله على أية حال , لا يرتقي أن يكون شبيها بالله - سبحانه - فضلا على أن يكون خيرا منه . ولا يخطر على قلب عاقل أن يعقد مقارنة أو موازنة . ومن ثم يبدو هذا السؤال بهذه الصيغة وكأنه تهكم محض , وتوبيخ صرف , لأنه غير قابل أن يوجه على سبيل الجد , أو أن يطلب عنه جواب !
ومن ثم يعدل عنه إلى سؤال آخر , مستمد من واقع هذا الكون حولهم , ومن مشاهده التي يرونها بأعينهم: