|
في ظلال القرآن
الكريم
النمل من الاية 60 الى الاية 64 أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مّöنَ السَّمَاءö مَاء فَأَنبَتْنَا بöهö حَدَائöقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبöتُوا شَجَرَهَا أَإöلَهñ مَّعَ اللَّهö بَلْ هُمْ قَوْمñ يَعْدöلُونَ (60) أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خöلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسöيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنö حَاجöزاً أَإöلَهñ مَّعَ اللَّهö بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّن يُجöيبُ الْمُضْطَرَّ إöذَا دَعَاهُ وَيَكْشöفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضö أَإöلَهñ مَّعَ اللَّهö قَلöيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّن يَهْدöيكُمْ فöي ظُلُمَاتö الْبَرّö وَالْبَحْرö وَمَن يُرْسöلُ الرّöيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتöهö أَإöلَهñ مَّعَ اللَّهö تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرöكُونَ (63) أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعöيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مّöنَ السَّمَاءö وَالْأَرْضö أَإöلَهñ مَّعَ اللَّهö قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إöن كُنتُمْ صَادöقöينَ (64)
(أم من خلق السماوات والأرض , وأنزل لكم من السماء ماء , فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ? أإله مع الله ? بل هم قوم يعدلون). . والسماوات والأرض حقيقة قائمة لا يملك أحد إنكار وجودها , ولا يملك كذلك أن يدعي أن هذه الآلهة المدعاة خلقتها . . وهي أصنام أو أوثان , أو ملائكة وشياطين , أو شمس أو قمر . . فالبداهة تصرخ في وجه هذا الادعاء . ولم يكن أحد من المشركين يزعم أن هذا الكون قائم بنفسه , مخلوق بذاته , كما وجد من يدعي مثل هذا الادعاء المتهافت في القرون الأخيرة ! فكان مجرد التذكير بوجود السماوات والأرض , والتوجيه إلى التفكير فيمن خلقها , كفيلا بإلزام الحجة , ودحض الشرك , وإفحام المشركين . وما يزال هذا السؤال قائما فإن خلق السماوات والأرض على هذا النحو الذي يبدو فيه القصد , ويتضح فيه التدبير , ويظهر فيه التناسق المطلق الذي لا يمكن أن يكون فلتة ولا مصادفة , ملجئ بذاته إلى الإقرار بوجود الخالق الواحد , الذي تتضح وحدانيته بآثاره . ناطق بأن هناك تصميما واحدا متناسقا لهذا الكون لا تعدد في طبيعته ولا تعدد في اتجاهه . فلا بد أنه صادر عن إرادة واحدة غير متعددة . إرادة قاصدة لا يفوتها القصد في الكبير ولا في الصغير . (أم من خلق السماوات والأرض). . (وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ?). . والماء النازل من السماء حقيقة كذلك مشهودة يستحيل إنكارها ويتعذر تعليلها بغير الإقرار بخالق مدبر , فطر السماوات والأرض وفق هذا الناموس الذي يسمح بنزول المطر , بهذا القدر , الذي توجد به الحياة , على النحو الذي وجدت به , فما يمكن أن يقع هذا كله مصادفة , وأن تتوافق المصادفات بهذا الترتيب الدقيق , وبهذا التقدير المضبوط . المنظور فيه إلى حاجة الأحياء وبخاصة الإنسان . هذا التخصيص الذي يعبر عنه القرآن الكريم بقوله: (وأنزل لكم . . .)والقرآن يوجه القلوب والأبصار إلى الآثار المحيية لهذا الماء المنزل للناس وفق حاجة حياتهم , منظورا فيه إلى وجودهم وحاجاتهم وضروراتهم . يوجه القلوب والأبصار إلى تلك الآثار الحية القائمة حيالهم وهم عنها غافلون: (فأنبتنا به حدائق ذات بهجة). . حدائق بهيجة ناضرة حية جميلة مفرحة . . ومنظر الحدائق يبعث في القلب البهجة والنشاط والحيوية . وتأمل هذه البهجة والجمال الناضر الحي الذي يبعثها كفيل بإحياء القلوب . وتدبر آثار الإبداع في الحدائق كفيل بتمجيد الصانع الذي أبدع هذا الجمال العجيب . وإن تلوين زهرة واحدة وتنسيقها ليعجز عنه أعظم رجال الفنون من البشر . وان تموج الألوان وتداخل الخطوط وتنظيم الوريقات في الزهرة الواحدة ليبدو معجزة تتقاصر دونها عبقرية الفن في القديم والحديث . فضلا على معجزة الحياة النامية في الشجر - وهي السر الأكبر الذي يعجز عن فهمه البشر -: (ما كان لكم أن تنبتوا شجرها)وسر الحياة كان وما يزال مستغلقا على الناس . سواء أكان في النبات أم في الحيوان أم في الأنسان . فما يملك أحد حتى اللحظة أن يقول:كيف جاءت هذه الحياة , ولا كيف تلبست بتلك الخلائق من نبات أو حيوان أو إنسان . ولا بد من الرجوع فيها إلى مصدر وراء هذا الكون المنظور . وعندما يصل في هذه الوقفة أمام الحياة النامية في الحدائق البهيجة إلى إثارة التطلع والانتباه وتحريك التأمل والتفكير , يهجم عليهم بسؤال: (أإله مع الله ?). . ولا مجال لمثل هذا الادعاء ; ولا مفر من الإقرار والإذعان . . وعندئذ يبدو موقف القوم عجيبا , وهم يسوون آلهتهم المدعاة بالله , فيعبدونها عبادة الله: (بل هم قوم يعدلون). . ويعدلون . إما أن يكون معناها يسوون . أي يسوون آلهتهم بالله في العبادة . وإما أن يكون معناها:يحيدون . أي يحيدون عن الحق الواضح المبين . بإشراك أحد مع الله في العبادة ; وهو وحده الخالق الذي لم يشاركه أحد في الخلق . وكلا الأمرين تصرف عجيب لا يليق ! ثم ينتقل بهم إلى حقيقة كونية أخرى , يواجههم بها كما واجههم بحقيقة الخلق الأولى: (أم من جعل الأرض قرارا , وجعل خلالها أنهارا , وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ?). . لقد كانت الحقيقة الكونية الأولى هي حقيقة خلق السماوات والأرض . أما هذه فهي الهيئة التي خلق عليها الأرض . لقد جعلها قرارا للحياة , مستقرة مطمئنة صالحة يمكن أن توجد فيها الحياة وتنمو وتتكاثر . ولو تغير وضعها من الشمس والقمر ; أو تغير شكلها , أو تغير حجمها , أو تغيرت عناصرها والعناصر المحيطة في الجو بها , أو تغيرت سرعة دورتها حول نفسها , أو سرعة دورتها حول الشمس , أو سرعة دورة القمر حولها . . . إلى آخر هذه الملابسات الكثيرة التي لا يمكن أن تتم مصادفة , وأن تتناسق كلها هذا التناسق . . لو تغير شيء من هذا كله أدنى تغيير , لما كانت الأرض قرارا صالحا للحياة . وربما أن المخاطبين إذ ذاك لم يكونوا يدركون من قوله تعالى: (أم من جعل الأرض قرارا ?)كل هذه العجائب . ولكنهم كانوا يرون الأرض مستقرا صالحا للحياة على وجه الإجمال ; ولا يملكون أن يدعوا أن أحدا من آلهتهم كان له شرك في خلق الأرض على هذا المنوال . وهذا يكفي . ثم يبقى النص بعد ذلك مفتوحا للأجيال وكلما اتسع علم البشر أدركوا شيئا من معناه الضخم المتجدد على توالي الأجيال . وتلك معجزة القرآن في خطابه لجميع العقول , على توالي الأزمان ! (أم من جعل الأرض قرارا . وجعل خلالها أنهارا ?). . والأنهار في الأرض هي شرايين الحياة , وهي تنتشر فيها إلى الشرق وإلى الغرب , وإلى الشمال وإلى الجنوب , تحمل معها الخصب والحياة والنماء . والأنهار تتكون من تجمع مياه الأمطار وجريانها وفق طبيعة الأرض . والله الذي خلق هذا الكون هو الذي قدر في تصميمه إمكان تكون السحب , ونزول المطر , وجريان الأنهار . وما يملك أحد أن يقول:إن أحدا سوى الخالق المدبر قد شارك في خلق هذا الكون على هذا النحو ; وجريان الأنهار حقيقة واقعة يراها المشركون . فمن ذا أوجد هذه الحقيقة ? (أإله مع الله ?). (وجعل لها رواسي). . والرواسي:الجبال . وهي ثابتة مستقرة على الأرض . وهي في الغالب منابع الأنهار , حيث تجري منها مياه الأمطار إلى الوديان ; وتشق مجراها بسبب تدفقها من قمم الجبال العالية بعنف وقوة . والرواسي الثابتة تقابل الأنهار الجارية في المشهد الكوني الذي يعرضه القرآن هنا والتقابل التصويري ملحوظ في التعبير القرآني وهذا واحد منه . لذلك يذكر الرواسي بعد الأنهار . (وجعل بين البحرين حاجزا). . البحر الملح الاجاج , والنهر العذب الفرات . سماهما بحرين على سبيل التغليب من حيث مادتهما المشتركة وهي الماء . والحاجز في الغالب هو الحاجز الطبيعي , الذي يجعل البحر لا يفيض على النهر فيفسده . إذ أن مستوى سطح النهر أعلى من مستوى سطح البحر . وهذا ما يحجز بينهما مع أن الأنهار تصب في البحار , ولكن مجرى النهر يبقى مستقلا لا يطغى عليه البحر . وحتى حين ينخفض سطح النهر عن سطح البحر لسبب من الأسباب فإن هذا الحاجز يظل قائما من طبيعة كثافة ماء البحر وماء النهر . إذ يخف ماء النهر ويثقل ماء البحر فيظل مجرى كل منهما مميزا لا يمتزجان ولا يبغي أحدهما على الآخر . وهذا من سنن الله في خلق هذا الكون , وتصميمه على هذا النحو الدقيق . فمن فعل هذا كله ? من ? (أإله مع الله ?). . وما يملك أحد أن يدعي هذه الدعوى . ووحدة التصميم أمامه تجبره على الاعتراف بوحدة الخالق . . (بل أكثرهم لا يعلمون). . ويذكر العلم هنا لأن هذه الحقيقة الكونية تحتاج إلى العلم لتملي الصنعة فيها والتنسيق , وتدبر السنة فيها والناموس . ولأن التركيز في السورة كلها على العلم [ كما ذكرنا في تلخيص السورة في الجزء الماضي ] . ثم ينتقل بهم من مشاهد الكون إلى خاصة أنفسهم: (أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء , ويجعلكم خلفاء الأرض ? أإله مع الله ? قليلا ما تذكرون). . فيلمس وجدانهم وهو يذكرهم بخوالج أنفسهم , وواقع أحوالهم . فالمضطر في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء ذلك حين تضيق الحلقة , وتشتد الخنقة , وتتخاذل القوى , وتتهاوى الأسناد ; وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردا من وسائل النصرة وأسباب الخلاص . لا قوته , ولا قوة في الأرض تنجده . وكل ما كان يعده لساعة الشدة قد زاغ عنه أو تخلى ; وكل من كان يرجوه للكربة قد تنكر له أو تولى . . في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة , ويتجه الإنسان إلى الله ولو كان قد نسيه من قبل في ساعات الرخاء . فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه . هو وحده دون سواه . يجيبه ويكشف عنه السوء , ويرده إلى الأمن والسلامة , وينجييه من الضيقة الآخذة بالخناق . والناس يغفلون عن هذه الحقيقة في ساعات الرخاء , وفترات الغفلة . يغفلون عنها فيلتمسون القوة والنصرة والحماية في قوة من قوى الأرض الهزيلة . فأما حين تلجئهم الشدة , ويضطرهم الكرب , فتزول عن فطرتهم غشاوة الغفلة , ويرجعون إلى ربهم منيبين مهما يكونوا من قبل غافلين أو مكابرين . والقرآن يرد المكابرين الجاحدين إلى هذه الحقيقة الكامنة في فطرتهم , ويسوقها لهم في مجال الحقائق الكونية التي ساقها من قبل . حقائق خلق السماوات والأرض , وإنزال الماء من السماء , وإنبات الحدائق البهيجة , وجعل الأرض قرارا , والجبال رواسي , وإجراء الأنهار , والحاجز بين البحرين . فالتجاء المضطر إلى الله , واستجابة الله له دون سواه حقيقة كهذه الحقائق . هذه في الآفاق وتلك في الأنفس سواء بسواء . ويمضي في لمس مشاعرهم بما هو واقع في حياتهم: (ويجعلكم خلفاء الأرض). . فمن يجعل الناس خلفاء الأرض ? أليس هو الله الذي استخلف جنسهم في الأرض أولا . ثم جعلهم قرنا بعد قرن , وجيلا بعد جيل , يخلف بعضهم بعضا في مملكة الأرض التي جعلهم فيها خلفاء ? أليس هو الله الذي فطرهم وفق النواميس التي تسمح بوجودهم في هذه الأرض , وزودهم بالطاقات والاستعدادات التي تقدرهم على الخلافة فيها , وتعدهم لهذه المهمة الضخمة الكبرى . النواميس التي تجعل الأرض لهم قرارا ; والتي تنظم الكون كله متناسقا بعضه مع بعض بحيث تتهيأ للأرض تلك الموافقات والظروف المساعدة للحياة . ولو اختل شرط واحد من الشروط الكثيرة المتوافرة في تصميم هذا الوجود وتنسيقه لأصبح وجود الحياة على هذه الأرض مستحيلا . وأخيرا أليس هو الله الذي قدر الموت والحياة , واستخلف جيلا بعد جيل ; ولو عاش الأولون لضاقت الأرض بهم وبالآخرين ; ولأبطأ سير الحياة والحضارة والتفكير , لأن تجدد الأجيال هو الذي يسمح بتجدد الأفكار والتجارب والمحاولات , وتجدد أنماط الحياة , بغير تصادم بين القدامى والمحدثين إلا في عالم الفكر والشعور . فأما لو كان القدامى أحياء لتضخم التصادم والاعتراض ! ولتعطل موكب الحياة المندفع إلى الأمام ! إنها كلها حقائق في الأنفس كتلك الحقائق في الآفاق . فمن الذي حقق وجودها وأنشأها ? من ? (أإله مع الله ?). . إنهم لينسون ويغفلون هذه الحقائق كامنة في أعماق النفوس , مشهودة في واقع الحياة: (قليلا ما تذكرون)! ولو تذكر الإنسان وتدبر مثل هذه الحقائق لبقي موصولا بالله صلة الفطرة الأولى . ولما غفل عن ربه , ولا أشرك به أحدا . ثم يمضي السياق إلى بعض الحقائق الأخرى الممثلة في حياة الناس ونشاطهم على هذا الكوكب , ومشاهداتهم التي لا تنكر: (أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر , ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ? أإله مع الله ? تعالى الله عما يشركون !). . . والناس - ومنهم المخاطبون أول مرة بهذا القرآن - يسلكون فجاج البر والبحر في أسفارهم ; ويسبرون أسرار البر والبحر في تجاربهم . . ويهتدون . . فمن يهديهم ? من أودع كيانهم تلك القوى المدركة ? من أقدرهم على الاهتداء بالنجوم وبالآلات وبالمعالم ? من وصل فطرتهم بفطرة هذا الكون , وطاقاتهم بأسراره ? من جعل لآذانهم تلك القدرة على التقاط الأصوات , ولعيونهم تلك القدرة على التقاط الأضواء ? ولحواسهم تلك القدرة على التقاط المحسوسات ? ثم جعل لهم تلك الطاقة المدركة المسماة بالعقل أو القلب للإنتفاع بكل المدركات , وتجميع تجارب الحواس والإلهامات ? من ? أإله مع الله ? (ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ?). . والرياح مهما قيل في أسبابها الفلكية والجغرافية , تابعة للتصميم الكوني الأول , الذي يسمح بجريانها على النحو الذي تجري به , حاملة السحب من مكان إلى مكان , مبشرة بالمطر الذي تتجلى فيه رحمة الله , وهو سبب الحياة . فمن الذي فطر هذا الكون على خلقته , فأرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ? من ? (أإله مع الله ?). . (تعالى الله عما يشركون !). ويختم هذه الإيقاعات بسؤال عن خلقتهم وإعادتهم ورزقهم من السماء والأرض , مع التحدي والإفحام: (أم من يبدأ الخلق ثم يعيده , ومن يرزقكم من السماء والأرض ? أإله مع الله ? قل:هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين). . وبدء الخلق حقيقة واقعة لا يملك أحد إنكارها , ولا يمكن أحدا تعليلها بغير وجود الله ووحدانيته . وجوده لأن وجود هذا الكون ملجىء للإقرار بوجوده ; وقد باءت بالفشل المنطقي كل محاولة لتعليل وجود هذا الكون على هذا النحو الذي يظهر فيه التدبير والقصد بغير الإقرار بوجود الله . ووحدانيته لأن آثار صنعته ملجئة للإقرار بوحدانيته ; فعليها آثار التقدير الواحد , والتدبير الواحد ; وفيها من التناسق المطلق ما يجزم بالإرادة الواحدة المنشئة للناموس الواحد . فأما إعادة الخلق فهذه التي كانوا يجادلون فيها ويمارون . ولكن الإقرار ببدء الخلق على هذا النحو الذي يظهر فيه التقدير والتدبير والقصد والتنسيق ملجىء كذلك للتصديق بإعادة الخلق , ليلقوا جزاءهم الحق على أعمالهم في دار الفناء , التي لا يتم فيها الجزاء الحق على الأعمال وإن كان يتم فيها أحيانا بعض الجزاء . فهذا التنسيق الواضح في خلقة الكون يقتضي أن يتم تمامه بالتنسيق المطلق بين العمل والجزاء . وهذا لا يتم في الحياة الدنيا . فلا بد إذن من التصديق بحياة أخرى يتحقق فيها التناسق والكمال . . أما لماذا لم يتم في هذه الأرض ذلك التنسيق المطلق بين العمل والجزاء ? فذلك متروك لحكمة صاحب الخلق والتدبير . وهو سؤال لا يجوز توجيهه لأن الصانع أعلم بصنعته . وسر الصنعة عند الصانع . وهو غيب من غيبه الذي لم يطلع عليه أحدا ! ومن هذا التلازم بين الإقرار بمبدىء الحياة والإقرار بمعيدها يسألهم ذلك السؤال: أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ? . . (أإله مع الله ?). . والرزق من السماء والأرض متصل بالبدء والإعادة سواء . ورزق العباد من الأرض يتمثل في صور شتى أظهرها النبات والحيوان , والماء والهواء , للطعام والشراب والاستنشاق ; ومنها كنوز الأرض من معادن وفلزات ; وكنوز البحر من طعام وزينة . ومنها القوى العجيبة من مغناطيسة وكهرباء , وقوى أخرى لا يعلهما بعد إلا الله ; ويكشف عن شيء منها لعباده آنا بعد آن . وأما رزقهم من السماء فلهم منه في الحياة الدنيا:الضوء والحرارة والمطر وسائر ما ييسره الله لهم من القوى والطاقات . ولهم منه في الآخرة عطاء الله الذي يقسمه لهم - وهو من السماء بمدلولها المعنوي , الذي يتردد كثيرا في القرآن والسنة ; وهو معنى الارتفاع والاستعلاء . وقد ذكر رزقهم من السماء والأرض بعد ذكر البدء والإعادة , لأن رزق السماء والأرض له علاقة بالبدء والإعادة فعلاقة رزق الأرض بالبدء معروفة فهو الذي يعيش عليه العباد . وعلاقته بالإعادة أن الناس يجزون في الآخرة على عملهم وتصرفهم في هذا الرزق الذي أعطوه في الدنيا . . وعلاقة رزق السماء بالبدء واضحة . فهو في الدنيا للحياة , وهو في الآخرة للجزاء . . وهكذا تبدو دقة التناسق في السياق القرآني العجيب . والبدء والإعادة حقيقة والرزق من السماء والأرض حقيقة . ولكنهم يغفلون عن هذه الحقائق , فيردهم القرآن إليها في تحد وإفحام: (أإله مع الله ?). . (قل:هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين). . وإنهم ليعجزون عن البرهان , كما يعجز عنه من يحاوله حتى الأن . وهذه طريقة القرآن في الجدل عن العقيدة . يستخدم مشاهد الكون وحقائق النفس ; فيجعل الكون كله إطارا للمنطق الذي يأخذ به القلوب ; ويوقظ به الفظرة ويجلوها لتحكم منطقها الواضح الواصل البسيط ; ويستجيش به المشاعر والوجدانات بما هو
السابق - التالي
|