ولكنهم كانوا هكذا يقولون . وبعضهم ما يزال يقوله اليوم مع شيء من الاختلاف ! هكذا كانوا يقولون . ثم يتبعون هذه القولة الجاهلة المطموسة بالتهكم والاستنكار:
(لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل . إن هذا إلا أساطير الأولين).
فهم كانوا يعرفون أن الرسل من قبل قد أنذروا آباءهم بالبعث والنشور . مما يدل على أن العرب لم تكن أذهانهم خالية من العقيدة , ولا غفلا من معانيها . إنما كانوا يرون أن الوعود لم تتحقق منذ بعيد ; فيبنون على هذا استهتارهم بالوعد الجديد قائلين:إنها أساطير الأولين يرويها محمد [ ص ] غافلين أن للساعة موعدها الذي لا يتقدم لاستعجال البشر ولا يتأخر لرجائهم , إنما يجيء في الوقت المعلوم لله , المجهول للعباد في السماوات والأرض سواء . ولقد قال رسول الله [ ص ] لجبريل - عليه السلام - وهو يسأله عن الساعة:" ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " .
وهنا يلمس قلوبهم بتوجيهها إلى مصارع الذين كذبوا قبلهم بالوعيد ويسميهم المجرمين:
(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين).
وفي هذا التوجيه توسيع لآفاق تفكيرهم , فالجيل من البشر ليس مقطوعا من شجرة البشرية ; وهو محكوم بالسنن المتحكمة فيها ; وما حدث للمجرمين من قبل يحدث للمجرمين من بعد ; فإن السنن لا تحيد ولا تحابي . والسير في الأرض يطلع النفوس على مثل وسير وأحوال فيها عبرة , وفيها تفتيح لنوافذ مضيئة . وفيها لمسات للقلوب قد توقظها وتحييها . والقرآن يوجه الناس إلى البحث عن السنن المطردة , وتدبر خطواتها وحلقاتها , ليعيشوا حياة متصلة الأوشاج متسعة الآفاق , غير متحجرة ولا مغلقة ولا ضيقة ولا منقطعة .
وبعد أن يوجههم هذا التوجيه يأمر رسوله [ ص ] أن ينفض يديه من أمرهم , ويدعهم لمصيرهم , الذي وجههم إلى نظائره , وألا يضيق صدره بمكرهم , فإنهم لن يضروه شيئا , وألا يحزن عليهم فقد أدى واجبه تجاههم وأبلغهم وبصرهم .
(ولا تحزن عليهم . ولا تكن في ضيق مما يمكرون). .
وهذا النص يصور حساسية قلبه [ ص ] وحزنه على مصير قومه الذي يعلمه من مصائر المكذبين قبلهم , ويدل كذلك على شدة مكرهم به وبالدعوة وبالمسلمين حتى ليضيق صدره الرحب الكبير .
ثم يمضي في سرد مقولاتهم عن قضية البعث , واستهانتهم بالوعيد بالعذاب في الدنيا أو في الآخرة:
(ويقولون:متى هذا الوعد إن كنتم صادقين). .
كانوا يقولون هذا كلما خوفوا بمصائر المجرمين قبلهم , ومصارعهم التي يمرون عليها مصبحين كقرى لوط , وآثار ثمود في الحجر , وآثار عاد في الأحقاف , ومساكن سبأ بعد سيل العرم . . كانوا يقولون مستهزئين: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)متى هذا العذاب الذي تخوفوننا به ? إن كنتم صادقين فهاتوه , أو خبرونا بموعده على التحديد !
وهنا يجيء الرد يلقي ظلال الهول المتربص , وظلال التهكم المنذر في كلمات قصار:
(قل:عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون). .