البشر , وتفيض منه الطمأنينة والاستقرار . . وهذه هي الرحمة في أشمل صورها ومعانيها . . وبعد هذه اللمحة إلى فضل الله على القوم بهذا القرآن الذي يفصل بين بني إسرائيل في اختلافاتهم ويقود المؤمنين به إلى الهدى ويسبغ عليهم الرحمة . . يقرر لرسول الله [ ص ] أن ربه سيفصل فيما بينه وبين قومه , ويحكم بينهم حكمه الذي لا مرد له . حكمه القوي المبني على العلم اليقين:
(فتوكل على الله إنك على الحق المبين). .
وقد جعل الله انتصار الحق سنة كونية كخلق السماوات والأرض , واختلاف الليل والنهار . سنة لا تتخلف . . قد تبطئ . تبطئ لحكمة يعلمها الله , وتتحقق بها غايات يقدرها الله . ولكن السنة ماضية . وعد الله لا يخلف الله وعده . ولا يتم الإيمان إلا باعتقاد صدقه وانتظار تحققه . ولو عد الله أجل لا يستقدم عنه ولا يستأخر .
ويمضي في تسلية الرسول [ ص ] وتأسيته على جموح القوم ولجاجهم في العناد وإصرارهم على الكفر بعد الجهد الشاق في النصح والبيان , وبعد مخاطبتهم بهذا القرآن . . يمضي في تسليته والتسرية عنه من هذا كله ; فهو لم يقصر في دعوته . ولكنه إنما يسمع أحياء القلوب الذين تعي آذانهم فتتحرك قلوبهم , فيقبلون على الناصح الأمين . فأما الذين ماتت قلوبهم , وعميت أبصارهم عن دلائل الهدى والإيمان , فما له فيهم حيلة , وليس له إلى قلوبهم سبيل ; ولاضير عليه في ضلالهم وشرودهم الطويل:
(إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين , وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون). .
والتعبير القرآني البديع يرسم صورة حية متحركة لحالة نفسية غير محسوسة . حالة جمود القلب , وخمود الروح , وبلادة الحس , وهمود الشعور . فيخرجهم مرة في صورة الموتى , والرسول [ ص ] يدعو , وهم لا يسمعون الدعاء , لأن الموتى لا يشعرون ! ويخرجهم مرة في هيئة الصم مدبرين عن الداعي , لأنهم لا يسمعون ! ويخرجهم مرة في صورة العمي يمضون في عماهم ; لا يرون الهادي لأنهم لا يبصرون ! وتتراءى هذه الصور المجسمة المتحركة , فتمثل المعنى وتعمقه في الشعور !
وفي مقابل الموتى والعمي والصم يقف المؤمنون . فهم الأحياء , وهم السامعون , وهم المبصرون .
(إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون). .
إنما تسمع الذين تهيأت قلوبهم لتلقي آيات الله , بالحياة والسمع والبصر . وآية الحياة الشعور . وآية السمع والبصر الانتفاع بالمسموع والمنظور . والمؤمنون ينتفعون بحياتهم وسمعهم وأبصارهم . وعمل الرسول [ ص ] هو أن يسمعهم , فيدلهم على آيات الله , فيستسلمون لتوهم ولحظتهم (فهم مسلمون).
إن الإسلام بسيط وواضح وقريب إلى الفطرة السليمة ; فما يكاد القلب السليم يعرفه , حتى يستسلم له , فلا يشاق فيه . وهكذا يصور القرآن تلك القلوب , القابلة للهدى , المستعدة للاستماع , التي لا تجادل ولا تماري بمجرد أن يدعوها الرسول فيصلها بآيات الله , فتؤمن لها وتستجيب .
الدرس الثالث:82 - 90 من مشاهد القيامة
بعد ذلك يجول بهم جولة أخرى في أشراط الساعة , وبعض مشاهدها , قبل الإيقاع الأخير الذي يختم به السورة . . جولة يذكر فيها ظهور الدابة التي تكلم الناس الذين كانوا لا يؤمنون بآيات الله الكونية . ويرسم مشهدا للحشر والتبكيت للمكذبين بالآيات وهم واجمون صامتون . ويعود بهم من هذا المشهد إلى آيتي الليل والنهار