ما خنت رسول الله [ ص ] فعائشة خير مني , وصفوان خير منك . . وكلتا الروايتين تدلان على أن بعض المسلمين رجع إلى نفسه واستفتى قلبه , فاستبعد أن يقع ما نسب إلى عائشة , وما نسب إلى رجل من المسلمين:من معصية لله وخيانة لرسوله , وارتكاس في حمأة الفاحشة , لمجرد شبهة لا تقف للمناقشة !
هذه هي الخطوة الأولى في المنهج الذي يفرضه القرآن لمواجهة الأمور . خطوة الدليل الباطني الوجداني . فأما الخطوة الثانية فهي طلب الدليل الخارجي والبرهان الواقعي:
لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ! فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون . . وهذه الفرية الضخمة التي تتناول أعلى المقامات , وأطهر الأعراض , ما كان ينبغي أن تمر هكذا سهلة هينة ; وأن تشيع هكذا دون تثبت ولا بينة ; وأن تتقاذفها الألسنة وتلوكها الأفواه دون شاهد ولا دليل: لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء ! وهم لم يفعلوا فهم كاذبون إذن . كاذبون عند الله الذي لا يبدل القول لديه , والذي لا يتغير حكمه , ولا يتبدل قراره . فهي الوصمة الثابتة الصادقة الدائمة التي لا براءة لهم منها , ولا نجاة لهم من عقباها .
هاتان الخطوتان:خطوة عرض الأمر على القلب واستفتاء الضمير . وخطوة التثبت بالبينة والدليل . . غفل عنهما المؤمنون في حادث الإفك ; وتركوا الخائضين يخوضون في عرض رسول الله [ ص ] وهو أمر عظيم لولا لطف الله لمس الجماعة كلها البلاء العظيم . فالله يحذرهم أن يعودوا لمثله أبدا بعد هذا الدرس الأليم:
(ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم). .
لقد احتسبها الله للجماعة المسلمة الناشئة درسا قاسيا . فأدركهم بفضله ورحمته ولم يمسسهم بعقابه وعذابه . فهي فعلة تستحق العذاب العظيم . العذاب الذي يتناسب مع العذاب الذي سببوه للرسول [ ص ] وزوجه وصديقه وصاحبه الذي لا يعلم عليه إلا خيرا . والعذاب الذي يتناسب مع الشر الذي ذاع في الجماعة المسلمة وشاع ; ومس كل المقدسات التي تقوم عليها حياة الجماعة . والعذاب الذي يناسب خبث الكيد الذي كادته عصبة المنافقين للعقيدة لتقتلعها من جذورها حين تزلزل ثقة المؤمنين بربهم ونبيهم وأنفسهم طوال شهر كامل , حافل بالقلق والقلقة والحيرة بلا يقين ! ولكن فضل الله تدارك الجماعة الناشئة , ورحمته شملت المخطئين , بعد الدرس الأليم .
والقرآن يرسم صورة لتلك الفترة التي أفلت فيها الزمام ; واختلت فيها المقاييس , واضطربت فيها القيم , وضاعت فيها الأصول:
(إذ تلقونه بألسنتكم , وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ; وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم). .
وهي صورة فيها الخفة والاستهتار وقلة التحرج , وتناول أعظم الأمور وأخطرها بلا مبالاة ولا اهتمام:
(إذ تلقونه بألسنتكم). . لسان يتلقى عن لسان , بلا تدبر ولا ترو ولا فحص ولا إنعام نظر . حتى لكأن القول لا يمر على الآذان , ولا تتملاه الرؤوس , ولا تتدبره القلوب ! (وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم). . بأفواهكم لا بوعيكم ولا بعقلكم ولا بقلبكم . إنما هي كلمات تقذف بها الأفواه , قبل أن تستقر في المدارك , وقبل أن تتلقاها العقول . . (وتحسبونه هينا)أن تقذفوا عرض رسول الله , وأن تدعوا الألم