الدرس الثاني:39 - 40 خسارة أعمال الكافر في مقابل ذلك النور المتجلي في السماوات والأرض , المتبلور في بيوت الله , المشرق في قلوب أهل الإيمان . . يعرض السياق مجالا آخر . مجالا مظلما لا نور فيه . مخيفا لا أمن فيه . ضائعا لا خير فيه . ذلك هو مجال الكفر الذي يعيش فيه الكفار:
(والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة , يحسبه الظمآن ماء , حتى إذا جاءه لم يجده شيئا , ووجد الله عنده فوفاه حسابه . والله سريع الحساب . أو كظلمات في بحر لجي , يغشاه موج من فوقه موج , من فوقه سحاب . ظلمات بعضها فوق بعض , إذا أخرج يده لم يكد يراها . ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور). .
والتعبير يرسم لحال الكافرين ومآلهم مشهدين عجيبين , حافلين بالحركة والحياة .
في المشهد الأول يرسم أعمالهم كسراب في أرض مكشوفة مبسوطة , يلتمع التماعا كاذبا , فيتبعه صاحبه الظامى ء , وهو يتوقع الري غافلا عما ينتظره هناك . . وفجأة يتحرك المشهد حركة عنيفة . فهذا السائر وراء السراب , الظامىء الذي يتوقع الشراب , الغافل عما ينتظره هناك . . يصل . فلا يجد ماء يرويه , إنما يجد المفاجأة المذهلة التي لم تخطر له ببال , المرعبة التي تقطع الأوصال , وتورث الخبال: (ووجد الله عنده)! الله الذي كفر به وجحده , وخاصمه وعاداه . وجده هنالك ينتظره ! ولو وجد في هذه المفاجأة خصما له من بني البشر لروعه , وهو ذاهل غافل على غير استعداد . فكيف وهو يجد الله القوي المنتقم الجبار ?
(فوفاه حسابه). . هكذا في سرعة عاجلة تتناسق مع البغتة والفجاءة , (والله سريع الحساب). . تعقيب يتناسق مع المشهد الخاطف المرتاع !
وفي المشهد الثاني تطبق الظلمة بعد الالتماع الكاذب ; ويتمثل الهول في ظلمات البحر اللجي . موج من فوقه موج . من فوقه سحاب . وتتراكم الظلمات بعضها فوق بعض , حتى ليخرج يده أمام بصره فلا يراها لشدة الرعب والظلام !
إنه الكفر ظلمة منقطعة عن نور الله الفائض في الكون . وضلال لا يرى فيه القلب أقرب علامات الهدى . ومخافة لا أمن فيها ولا قرار . . (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور). . ونور الله هدى في القلب ; وتفتح في البصيرة ; واتصال في الفطرة بنواميس الله في السماوات والأرض ; والتقاء بها على الله نور السماوات والأرض . فمن لم يتصل بهذا النور فهو في ظلمة لا انكشاف لها , وفي مخالفة لا أمن فيها , وفي ضلال لا رجعة منه . ونهاية العمل سراب ضائع يقود إلى الهلاك والعذاب ; لأنه لا عمل بغير عقيدة , ولا صلاح بغير إيمان . إن هدى الله هو الهدى . وإن نور الله هو النور .
الدرس الثالث:41 - 42 تسبيح المخلوقات لله وملكية الله للوجود
ذلك مشهد الكفر والضلال والظلام في عالم الناس , يتبعه مشهد الإيمان والهدى والنور في الكون الفسيح . مشهد يتمثل فيه الوجود كله , بمن فيه وما فيه , شاخصا يسبح لله:إنسه وجنه , أملاكه وأفلاكه , أحياؤه وجماده . . وإذا الوجود كله تتجاوب بالتسبيح أرجاؤه , في مشهد يرتعش له الوجدان حين يتملاه:
(ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض , والطير صافات . كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون). .
إن الإنسان ليس مفردا في هذا الكون الفسيح ; فإن من حوله , وعن يمينه وعن شماله , ومن فوقه ومن تحته ; وحيثما امتد به النظر أو طاف به الخيال . . إخوان له من خلق الله , لهم طبائع شتى , وصور شتى ,