|
في ظلال القرآن
الكريم
الواقعة من الاية 1 الى الاية 6 إöذَا وَقَعَتö الْوَاقöعَةُ (1) لَيْسَ لöوَقْعَتöهَا كَاذöبَةñ (2) خَافöضَةñ رَّافöعَةñ (3) إöذَا رُجَّتö الْأَرْضُ رَجّاً (4) وَبُسَّتö الْجöبَالُ بَسّاً (5) فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً (6)
سورة الواقعة تعريف بسورة الواقعة الواقعة . . اسم للسورة وبيان لموضوعها معا . فالقضية الأولى التي تعالجها هذه السورة المكية هي قضية النشأة الآخرة , ردا على قولة الشاكين فيها , المشركين بالله , المكذبين بالقرآن: أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ? أو آباؤنا الأولون ? . . ومن ثم تبدأ السورة بوصف القيامة . وصفها بصفتها التي تنهي كل قول , وتقطع كل شك , وتشعر بالجزم في هذا الأمر . . الواقعة . .(إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة). . وتذكر من أحداث هذا اليوم ما يميزه عن كل يوم , حيث تتبدل أقدار الناس , وأوضاع الأرض , في ظل الهول الذي يبدل الأرض غير الأرض , كما يبدل القيم غير القيم سواء: خافضة رافعة . . إذا رجت الأرض رجا , وبست الجبال بسا , فكانت هباء منبثا . وكنتم أزواجا ثلاثة . . . الخ. ثم تفصل السورة مصائر هذه الأزواج الثلاثة:السابقين وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة . وتصف ما يلقون من نعيم وعذاب وصفا مفصلا أوفى تفصيل , يوقع في الحس أن هذا أمر كائن واقع , لا مجال للشك فيه , وهذه أدق تفصيلاته معروضة للعيان . حتى يرى المكذبون رأي العين مصيرهم ومصير المؤمنين . وحتى يقال عنهم هنالك بعد وصف العذاب الأليم الذي هم فيه: إنهم كانوا قبل ذلك مترفين . وكانوا يصرون على الحنث العظيم . وكانوا يقولون:أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ? أو آباؤنا الأولون . . وكأن العذاب هو الحاضر والدنيا هي الماضي الذي يذكر للترذيل والتقبيح . ترذيل حالهم في الدنيا وتقبيح ما كانوا عليه من تكذيب ! وبهذا ينتهي الشوط الأول من السورة . ويبدأ شوط جديد يعالج قضية العقيدة كلها , متوخيا توكيد قضية البعث التي هي موضوع السورة الأول ; بلمسات مؤثرة , يأخذ مادتها وموضوعها مما يقع تحت حس البشر , في حدود المشاهدات التي لا تخلو منها تجربة إنسان , أيا كانت بيئته , ودرجة معرفته وتجربته . يعرض نشأتهم الأولى من مني يمنى . ويعرض موتهم ونشأة آخرين مثلهم من بعدهم في مجال التدليل على النشأة الأخرى , التي لا تخرج في طبيعتها ويسرها عن النشأة الأولى , التي يعرفونها جميعا . ويعرض صورة الحرث والزرع , وهو إنشاء للحياة في صورة من صورها . إنشاؤها بيد الله وقدرته . ولو شاء الله لم تنشأ , ولو شاء لم تؤت ثمارها . ويعرض صورة الماء العذب الذي تنشأ به الحياة كلها . وهو معلق بقدرة الله ينزله من السحائب . ولو شاء جعله ملحا أجاجا , لا ينبت حياة , ولا يصلح لحياة . وصورة النار التي يوقدون , وأصلها الذي تنشأ منه . . الشجر . . وعند ذكر النار يلمس وجدانهم منذرا . ويذكرهم بنار الآخرة التي يشكون فيها . وكلها صور من مألوفات حياتهم الواقعة , يلمس بها قلوبهم , ولا يكلفهم فيها إلا اليقظة ليد الله وهي تنشئها وتعمل فيها . كذلك يتناول هذا الشوط قضية القرآن الذي يحدثهم عن "الواقعة " فيشكون في وعيده . فيلوح بالقسم بمواقع النجوم , ويعظم من أمر هذا القسم لتوكيد أن هذا الكتاب هو قرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون , وأنه تنزيل من رب العالمين . ثم يواجههم في النهاية بمشهد الاحتضار . في لمسة عميقة مؤثرة . حين تبلغ الروح الحلقوم , ويقف صاحبها على حافة العالم الآخر ; ويقف الجميع مكتوفي الأيدي عاجزين , لا يملكون له شيئا , ولا يدرون ما يجري حوله , ولا ما يجري في كيانه . ويخلص أمره كله لله , قبل أن يفارق هذه الحياة . ويرى هو طريقه المقبل , حين لا يملك أن يقول شيئا عما يرى ولا أن يشير ! ثم تختم السورة بتوكيد الخبر الصادق , وتسبيح الله الخالق:(إن هذا لهو حق اليقين . فسبح باسم ربك العظيم). . فيلتئم المطلع والختام أكمل التئام . . الدرس الأول:1 - 6 الناس أزواج ثلاثة عند الواقعة وبعص ما لهم السابقون أصحاب اليمين وأصحاب الشمال (إذا وقعت الواقعة . ليس لوقعتها كاذبة . خافضة رافعة . إذا رجت الأرض رجا . وبست الجبال بسا . فكانت هباء منبثا . . .). هذا المطلع واضح فيه التهويل في عرض هذا الحدث الهائل . وهو يتبع أسلوبا خاصا يلحظ فيه هذا المعنى , ويتناسق مع مدلولات العبارة . فمرتين يبدأ بإذا الشرطية يذكر شرطها ولا يذكر جوابها .(إذا وقعت الواقعة . ليس لوقعتها كاذبة . خافضة رافعة). . ولا يقول:ماذا يكون إذا وقعت الواقعة وقعة صادقة ليس لها كاذبة , وهي خافضة رافعة . ولكن يبدأ حديثا جديدا:(إذا رجت الأرض رجا . وبست الجبال بسا . فكانت هباء منبثا .). . ومرة أخرى لا يقول:ماذا يكون إذا كان هذا الهول العظيم . . فكأنما هذا الهول كله مقدمة , لا يذكر نتائجها , لأن نتائجها أهول من أن يحيط بها اللفظ , أو تعبر عنها العبارة ! هذا الأسلوب الخاص يتناسب مع الصورة المروعة المفزعة التي يرسمها هذا المطلع بذاته . فالواقعة بمعناها وبجرس اللفظ ذاته - بما فيه من مد ثم سكون - تلقى في الحس كأنما هي ثقل ضخم ينقض من عل ثم يستقر , لغير ما زحزحة بعد ذلك ولا زوال !(ليس لوقعتها كاذبة). . ثم إن سقوط هذا الثقل ووقوعه , كأنما يتوقع له الحس أرجحة ورجرجة يحدثها حين يقع . ويلبي السياق هذا التوقع فإذا هي:(خافضة رافعة). . وإنها لتخفض أقدارا كانت رفيعة في الأرض , وترفع أقدارا كانت خفيضة في دار الفناء , حيث تختل الاعتبارات والقيم ; ثم تستقيم في ميزان الله . ثم يتبدىء الهول في كيان هذه الأرض . الأرض الثابتة المستقرة فيما يحس الناس . فإذا هي ترج رجا - وهي حقيقة تذكر في التعبير الذي يتسق في الحس مع وقع الواقعة - ثم إذا الجبال الصلبة الراسية تتحول - تحت وقع الواقعة - إلى فتات يتطاير كالهباء . .(وبست الجبال بسا . فكانت هباء منبثا). . فما أهول هذا الهول الذي يرج الأرض رجا , ويبس الجبال بسا , ويتركها هباء منبثا . وما أجهل الذين يتعرضون له وهم مكذبون بالآخرة , مشركون بالله , وهذا أثره في الأرض والجبال ! وهكذا تبدأ السورة بما يزلزل الكيان البشري , ويهول الحس الإنساني , تجاه القضية التي ينكرها المنكرون ,
التالي
|