الذي لا يخطيء مرة كما يخطيء الإنسان في عمله , ولا ينحرف عن طريقه , ولا يضل الهدف المرسوم ! إن يد القدرة هي التي تتولى خطاها على طول الطريق . . في الرحلة العجيبة . الرحلة التي ما كان العقل ليصدقها , وما كان الخيال ليتصورها , لولا أنها حدثت وتحدث ويراها كل إنسان في صورة من الصور , ونوع من الأنواع . . وإلا فأي عقل كان يصدق , وأي خيال كان يتصور أن حبة القمح مثلا يكمن فيها هذا العود وهذا الورق , وهذه السنبلة , وهذا الحب الكثير ?! أو أن النواة تكمن فيها نخلة كاملة سامقة بكل ما تحتويه ?! أي عقل كان يمكن أن يتطاول به الخيال إلى تصور هذه العجيبة . لولا أنه يراها تقع بين يديه صباح مساء ? ولولا أن هذه القصة تتكرر على مرأى ومسمع من جميع الناس ? وأي إنسان يمكنه أن يدعي أنه صنع شيئا في هذه العجيبة سوى الحرث وإلقاء البذور التي صنعها الله ?
ثم يقول الناس:زرعنا !! وهم لم يتجاوزوا الحرث وإلقاء البذور . أما القصة العجيبة التي تمثلها كل حبة وكل بذرة . وأما الخارقة التي تنبت من قلبها وتنمو وترتفع فكلها من صنع الخالق الزارع . ولو شاء لم تبدأ رحلتها . ولو شاء لم تتم قصتها . ولو شاء لجعلها حطاما قبل أن تؤتي ثمارها . وهي بمشيئته تقطع رحلتها من البدء إلى الختام !
ولو وقع هذا لظل الناس يلونون الحديث وينوعونه يقولون:(إنا لمغرمون):غارمون(بل نحن محرومون). . ولكن فضل الله يمنحهم الثمر , ويسمح للنبتة أن تتم دورتها , وتكمل رحلتها , وهي ذاتها الرحلة التي تقوم بها الخلية التي تمنى . . وهي صورة من صور الحياة التي تنشئها القدرة وترعاها .
فماذا في النشأة الأخرى من غرابة . وهذه هي النشأة الأولى ? . .
الدرس الرابع:68 - 70 الماء بيد الله لا بيد الناس
(أفرأيتم الماء الذي تشربون ? أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ? لو نشاء جعلناه أجاجا . فلولا تشكرون)!
وهذا الماء أصل الحياة , وعنصرها الذي لا تنشأ إلا به كما قدر الله . ما دور الإنسان فيه ? دوره أنه يشربه . أما الذي أنشأه من عناصره , وأما الذي أنزله من سحائبه , فهو الله سبحانه . وهو الذي قدر أن يكون عذبا فكان (لو نشاء جعلناه أجاجا). مالحا لا يستساغ , ولا ينشئ حياة . فهلا يشكرون فضل الله الذي أجرى مشيئته بما كان ?
والمخاطبون ابتداء بهذا القرآن كان الماء النازل من السحائب , في صورته المباشرة , مادة حياتهم , وموضع احتفالهم , والحديث الذي يهز نفوسهم , وقد خلدته قصائدهم وأشعارهم . . ولم تنقص قيمة الماء بتقدم الإنسان الحضاري , بل لعلها تضاعفت . والذين يشتغلون بالعلم ويحاولون تفسير نشأة الماء الأولى أشد شعورا بقيمة هذا الحدث من سواهم . فهو مادة اهتمام للبدائي في الصحراء , وللعالم المشتغل بالأبحاث سواء .
الدرس الخامس:71 - 73 الله ينشيء الأشجار والثمار
(أفرأيتم النار التي تورون ? أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون ? نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين). .
ولقد كان كشف الإنسان للنار حادثا عظيما في حياته . ربما كان أعظم حادث بدأت منه حضارته . ولكنها أصبحت أمرا مألوفا لا يثير الاهتمام . . والإنسان يوري النار:أي يوقدها . ولكن من الذي أنشأ وقودها ? من الذي أنشأ الشجر الذي توقد به النار ? لقد مر حديث الزرع . والشجر من هذا الزرع . . على أن هناك لفتة أخرى في ذكر(شجرتها). فمن احتكاك فرع من شجرة بفرع آخر من شجرة أخرى كان العرب يوقدون