(فلا أقسم بمواقع النجوم). . فالأمر أوضح وأجلى من أن يحتاج إلى قسم . .(وإنه لقسم لو تعلمون عظيم). . وهذا التلويح بالقسم والعدول عنه أسلوب ذو تأثير في تقرير الحقيقة التي لا تحتاج إلى القسم لأنها ثابتة واضحة . .(إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون . تنزيل من رب العالمين). . إنه لقرآن كريم . وليس كما تدعون قول كاهن , ولا قول مجنون , ولا مفترى على الله . من أساطير الأولين . ولا تنزلت به الشياطين ! . . . إلى آخر هذه الأقاويل . إنما هو قرآن كريم . كريم بمصدره , وكريم بذاته , وكريم باتجاهاته .
(في كتاب مكنون). . مصون . . وتفسير ذلك في قوله تعالى بعدها:(لا يمسه إلا المطهرون). . فقد زعم المشركون أن الشياطين تنزلت به . فهذا نفي لهذا الزعم . فالشيطان لا يمس هذا الكتاب المكنون في علم الله وحفظه . إنما تنزل به الملائكة المطهرون . . وهذا الوجه هو أظهر الوجوه في معنى(لا يمسه إلا المطهرون). ف(لا)هنا نافية لوقوع الفعل . وليست ناهية . وفي الأرض يمس هذا القرآن الطاهر والنجس . والمؤمن والكافر , فلا يتحقق النفي على هذا الوجه . إنما يتحقق بصرف المعنى إلى تلك الملابسة . ملابسة قولهم:تنزلت به الشياطين . ونفي هذا الزعم إذ لا يمسه في كتابه السماوي المكنون إلا المطهرون . .
ومما يؤيد هذا الاتجاه قوله تعالى بعد هذا:(تنزيل من رب العالمين). . لا تنزيل من الشياطين !
وقد روي حديثان يقرران معنى آخر وهو أن لا يمس القرآن إلا طاهر . . ولكن ابن كثير قال عنهما:"وهذه وجادة جيدة قد قرأها الزهري وغيره . ومثل هذا لا ينبغي الأخذ به . وقد أسنده الدارقطني عن عمرو ابن حزم وعبدالله بن عمر وعثمان بن أبي العاص . وفي إسناد كل منهما نظر والله أعلم" .
الدرس الثامن:81 - 87 مشهد الإحتضار والعجز عن إعادة الدم للجسم
ثم يأتي الإيقاع الأخير في السورة . . لحظة الموت . . اللمسة التي ترجف لها الأوصال . واللحظة التي تنهي كل جدال . واللحظة التي يقف فيها الحي بين نهاية طريق وبداية طريق . حيث لا يملك الرجوع ولا يملك النكوص:
(أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ? وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون . فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون . ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون . فلولا إن كنتم غير مدينين . ترجعونها إن كنتم صادقين). .
أفأنتم شاكون في هذا الحديث الذي يقال لكم عن النشأة الآخرة ; مكذبون بالقرآن وما يقصه عليكم من شأن الآخرة , وما يقرره لكم من أمور العقيدة ?(وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون). . فإذا التكذيب هو رزقكم الذي تحصلون عليه في حياتكم وتدخرونه لآخرتكم ? وما أسوأه من رزق !
فماذا أنتم فاعلون إذ تبلغ الحلقوم , وتقفون في مفرق الطريق المجهول ?
ثم يصور الموقف التصوير القرآني الموحي , الذي يرسم ظلال الموقف كلها في لمسات سريعة ناطقة بكل ما فيه , وبكل ما وراءه , وبكل ما يوحيه .
(فلولا إذا بلغت الحلقوم . وأنتم حينئذ تنظرون . ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون). .
لنكاد نسمع صوت الحشرجة , ونبصر تقبض الملامح , ونحس الكرب والضيق من خلال قوله:(فلولا إذا بلغت الحلقوم). . كما نكاد نبصر نظرة العجز وذهول اليأس في ملامح الحاضرين من خلال قوله:(وأنتم حينئذ تنظرون). .
هنا . في هذه اللحظة . وقد فرغت الروح من أمر الدنيا . وخلفت وراءها الأرض وما فيها . وهي تستقبل