مقدمة الوحدة سبق أن أجملنا موضوع هذا الشوط من السورة . وقبل الاستعراض التفصيلي له نلاحظ ان هذه الحلقة من القصة تجيء هنا متمشية بموضوعها مع موضوع السورة , ومتمشية بطريقة التعبير فيها - وأحياناً بعباراتها ذاتها - مع طريقة التعبير في السورة كذلك , وتكرر بعض عباراتها . . وعلى لسان الرجل المؤمن من آل فرعون ترد معان وتعبيرات وردت من قبل في السورة . فهو يذكر فرعون وهامان وقارون بأنهم يتقلبون في البلاد , ويحذرهم يوماً مثل يوم الأحزاب , كما يحذرهم يوم القيامة الذي عرضت مشاهده في مطالع السورة كذلك . ويتحدث عن الذين يجادلون في آيات الله ومقت الله لهم ومقت المؤمنين كما جاء ذلك في الشوط الأول . ثم يعرض السياق مشهدهم في النار أذلاء ضارعين يدعون فلا يستجاب لهم , كما عرض مشهد أمثالهم من قبل في السورة .
وهكذا وهكذا مما يوحي بأن منطق الإيمان ومنطق المؤمنين واحد , لأنه يستمد من الحق الواحد . ومما ينسق جو السورة , ويجعل لها "شخصية " موحدة الملامح . وهي الظاهرة الملحوظة في كل سور القرآن .
الدرس الأول:21 لفت النظر إلى مصارع الطغاة السابقين
أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم , كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض , فأخذهم الله بذنوبهم . وما كان لهم من الله من واق . ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات , فكفروا , فأخذهم الله , إنه قوي شديد العقاب . .
هذا المعبر بين قصة موسى - عليه السلام - وموضوع السورة قبلها يذكر المجادلين في آيات الله من مشركي
العرب بعبرة التاريخ قبلهم ; ويوجههم إلى السير في الأرض , ورؤية مصارع الغابرين , الذين وقفوا موقفهم . وكانوا أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض . ولكنهم - مع هذه القوة والعمارة - كانوا ضعافاً أمام بأس الله . وكانت ذنوبهم تعزلهم عن مصدر القوة الحقيقية , وتستعدي عليهم قوى الإيمان ومعها قوة الله العزيز القهار: (فأخذهم الله بذنوبهم . وما كان لهم من الله من واق). . ولا واقي إلا الإيمان والعمل الصالح والوقوف في جبهة الإيمان والحق والصلاح . فأما التكذيب بالرسل وبالبينات فنهايته إلى الدمار والنكال:(ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات , فكفروا , فأخذهم الله , إنه قوي شديد العقاب). .
الدرس الثاني:23 - 24 رسالة موسى إلى فرعون وملئه وتكذيبهم له
وبعد هذه الإشارة الكلية المجملة يبدأ في عرض نموذج من نماذج الذين كانوا من قبلهم , وكانوا أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض . فأخذهم الله بذنوبهم . وهم فرعون وقارون وهامان . ومن معهم من المتجبرين الطغاة .
وتنقسم هذه الحلقة من قصة موسى - عليه السلام - إلى مواقف ومناظر , تبدأ من موقف عرض الرسالة على فرعون وملئه . وتنتهي هنالك في الآخرة , وهم يتحاجون في النار . وهي رحلة مديدة . ولكن السياق يختار "لقطات" معينة من هذه الرحلة , هي التي تؤدي الغرض من هذه الحلقة في هذه السورة بالذات:
(ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين , إلى فرعون وهامان وقارون , فقالوا:ساحر كذاب). .
هذا هو موقف اللقاء الأول . موسى ومعه آيات الله , ومعه الهيبة المستمدة من الحق الذي بيده . وفرعون وهامان وقارون . ومعهم باطلهم الزائف وقوتهم الظاهرة ومركزهم الذي يخافون عليه من مواجهة الحق ذي السلطان . . عندئذ لجأوا إلى الجدال بالباطل ليدحضوا به الحق: (فقالوا:ساحر كذاب). .
الدرس الثالث:25 - 27 تآمرهم لقتل موسى ولجوء موسى إلى ربه
ويجمل السياق تفصيل ما حدث بعد هذا الجدال , ويطوي موقف المباراة مع السحرة , وإيمانهم بالحق الذي غلب باطلهم ولقف ما يأفكون . ويعرض الموقف الذي تلا هذه الأحداث:
(فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا:اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم).
ويعقب عليه قبل أن تكمل الآية:
(وما كيد الكافرين إلا في ضلال). .
إنه منطق الطغيان الغليظ , كلما أعوزته الحجة , وخذله البرهان , وخاف أن يستعلي الحق , بما فيه من قوة وفصاحة ووضوح , وهو يخاطب الفطرة فتصغي له وتستجيب . كما استجاب السحرة الذين جيء بهم ليغلبوا موسى وما معه , فانقلبوا أول المؤمنين بالحق في مواجهة فرعون الجبار .
فأما فرعون وهامان وقارون فقالوا:
(اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم). .
ولقد كان فرعون - في أيام مولد موسى - قد أصدر مثل هذا الأمر . وهناك أحد احتمالين فيما حدث بعد ذلك الأمر الأول . . الاحتمال الأول أن فرعون الذي أصدر ذلك الأمر كان قد مات وخلفه ابنه أو ولي عهده , ولم يكن الأمر منفذاً في العهد الجديد , حتى جاء موسى وواجه الفرعون الجديد , الذي كان يعرفه وهو ولي للعهد , ويعرف تربيته في القصر , ويعرف الأمر الأول بتذبيح الذكور وترك الإناث من بني إسرائيل . فحاشيته تشير إلى هذا الأمر , وتوحي بتخصيصه بمن آمنوا بموسى , سواء كانوا من السحرة أو من بني إسرائيل القلائل