الذين استجابوا له على خوف من فرعون وملئه . . والاحتمال الثاني:أنه كان فرعون الأول الذي تبنى موسى , ما يزال على عرشه . وقد تراخى تنفيذ الأمر الأول بعد فترة أو وقف العمل به بعد زوال حدته . فالحاشية تشير بتجديده , وتخص به الذين آمنوا مع موسى وحدهم للإرهاب والتخويف . فأما فرعون فكان له فيما يبدو رأي آخر , أو اقتراح إضافي في أثناء التآمر . ذلك أن يتخلص من موسى نفسه . فيستريح !
(وقال فرعون:ذروني أقتل موسى , وليدع ربه , إني أخاف أن يبدل دينكم , أو أن يظهر في الأرض الفساد). .
ويبدو من قوله: (ذروني أقتل موسى). . أن رأيه هذا كان يجد ممانعة ومعارضة - من ناحية الرأي - كأن يقال مثلاً:إن قتل موسى لا ينهي الإشكال . فقد يوحي هذا للجماهير بتقديسه واعتباره شهيداً , والحماسة الشعورية له وللدين الذي جاء به , وبخاصة بعد إيمان السحرة في مشهد شعبي جامع , وإعلانهم سبب إيمانهم , وهم الذين جيء بهم ليبطلوا عمله ويناوئوه . . وقد يكون بعض مستشاري الملك أحس في نفسه رهبة أن ينتقم إله موسى له , ويبطش بهم . وليس هذا ببعيد , فقد كان الوثنيون يعتقدون بتعدد الآلهة , ويتصورون بسهولة أن يكون لموسى إله ينتقم له ممن يعتدون عليه ! ويكون قول فرعون: (وليدع ربه). . رداً على هذا التلويح ! وإن كان لا يبعد أن هذه الكلمة الفاجرة من فرعون , كانت تبجحاً واستهتاراً , لقي جزاءه في نهاية المطاف كما سيجيء .
ولعله من الطريف أن نقف أمام حجة فرعون في قتل موسى:
(إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد). .
فهل هناك أطرف من أن يقول فرعون الضال الوثني , عن موسى رسول الله - عليه السلام - (إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد)?!!
أليست هي بعينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح ? أليست هي بعينها كلمة الباطل الكالح في وجه الحق الجميل ? أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث لإثارة الخواطر في وجه الإيمان الهادى ء ?
إنه منطق واحد , يتكرر كلما التقى الحق والباطل , والإيمان والكفر . والصلاح والطغيان على توالي الزمان واختلاف المكان . والقصة قديمة مكررة تعرض بين الحين والحين .
فأما موسى - عليه السلام - فالتجأ إلى الركن الركين والحصن الحصين , ولاذ بالجناب الذي يحمي اللائذين , ويجير المستجيرين:
(وقال موسى:إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب). .
قالها . واطمأن . وسلم أمره إلى المستعلي على كل متكبر , القاهر لكل متجبر , القادر على حماية العائذين به من المستكبرين . وأشار إلى وحدانية الله ربه وربهم لم ينسها أو يتركها أمام التهديد والوعيد . كما أشار إلى عدم الإيمان بيوم الحساب . فما يتكبر متكبر وهو يؤمن بيوم الحساب , وهو يتصور موقفه يومئذ حاسراً خاشعاً خاضعاً ذليلاً , مجرداً من كل قوة , ما له من حميم ولا شفيع يطاع .
الدرس الرابع:28 - 35 بيان الرجل المؤمن في دفاعه عن موسى ومواجهته لفرعون
هنا انتدب رجل من آل فرعون , وقع الحق في قلبه , ولكنه كتم إيمانه . انتدب يدفع عن موسى , ويحتال