كانت من شدة الوقع بحيث لم يستطع فرعون ومن معه تجاهلها . فاتخذ فرعون لنفسه مهرباً جديداً:(وقال فرعون:يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب . أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى . وإني لأظنه كاذباً . وكذلك زين لفرعون سوء عمله , وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب). .
يا هامان ابن لي بناء عالياً لعلي أبلغ به أسباب السماوات , لأنظر وأبحث عن إله موسى هناك (وإني لأظنه كاذباً). . هكذا يموه فرعون الطاغية ويحاور ويداور , كي لا يواجه الحق جهرة , ولا يعترف بدعوة الوحدانية التي تهز عرشه , وتهدد الأساطير التي قام عليها ملكه . وبعيد عن الاحتمال أن يكون هذا فهم فرعون وإدراكه . وبعيد أن يكون جاداً في البحث عن إله موسى على هذا النحو المادي الساذج . وقد بلغ فراعنة مصر من الثقافة حداً يبعد معه هذا التصور . إنما هو الاستهتار والسخرية من جهة . والتظاهر بالإنصاف والتثبت من جهة أخرى . وربما كانت هذه خطة للتراجع أمام مطارق المنطق المؤمن في حديث الرجل المؤمن ! وكل هذه الفروض تدل على إصراره على ضلاله , وتبجحه في جحوده: (وكذلك زين لفرعون سوء عمله , وصد عن السبيل). . وهو مستحق لأن يصد عن السبيل , بهذا المراء الذي يميل عن الاستقامة وينحرف عن السبيل .
ويعقب السياق على هذا المكر والكيد بأنه صائر إلى الخيبة والدمار:
(وما كيد فرعون إلا في تباب). .
الدرس السادس:38 - 44 المؤمن يعرف قومه بدينه وعقيدته ويدعوهم إليه
وأمام هذه المراوغة , وهذا الاستهتار , وهذا الإصرار ألقى الرجل المؤمن كلمته الأخيرة مدوية صريحة , بعدما دعا القوم إلى اتباعه في الطريق إلى الله , وهو طريق الرشاد . وكشف لهم عن قيمة هذه الحياة الزائلة ; وشوقهم إلى نعيم الحياة الباقية وحذرهم عذاب الآخرة وبين لهم ما في عقيدة الشرك من زيف ومن بطلان:
وقال الذي آمن:يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد . يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع , وإن الآخرة هي دار القرار . من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها , ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب . ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار . تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم , وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار . لا جرم أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة , وأن مردنا إلى الله , وأن المسرفين هم أصحاب النار . فستذكرون ما أقول لكم , وأفوض أمري إلى الله . إن الله بصير بالعباد . .
إنها الحقائق التي تقررت من قبل في صدر السورة , يعود الرجل المؤمن فيقررها في مواجهة فرعون وملئه . إنه يقول في مواجهة فرعون:
(يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد). .
وقد كان فرعون منذ لحظات يقول: (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)فهو التحدي الصريح الواضح بكلمة الحق لا يخشى فيها سلطان فرعون الجبار , ولا ملأه المتآمرين معه من أمثال هامان وقارون . وزيري فرعون فيما يقال .
ويكشف لهم عن حقيقة الحياة الدنيا: (إنما هذه الحياة الدنيا متاع). . متاع زائل لا ثبات له ولا دوام . (وإن الآخرة هي دار القرار). . فهي الأصل وإليها النظر والاعتبار .
ويقرر لهم قاعدة الحساب والجزاء في دار القرار: