عميق كأصاله الاختلاف بين العمى والبصر والظلمات والنور والظل والحرور والموت والحياة . وأن بين الهدى والبصر والنور والظل والحياة صلة وشبهاً , كما ان بين العمى والظلمة والحرور والموت صلة وشبهاً ! ثم تنتهي الجولة بإشارة إلى مصارع المكذبين للتنبيه والتحذير . الدرس الأول:15 - 17 فقر الناس وعجزهم أمام غنى الله وقوته
(يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله , والله هو الغني الحميد , إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد , وما ذلك على الله بعزيز). .
إن الناس في حاجة إلى تذكيرهم بهذه الحقيقة في معرض دعوتهم إلى الهدى , ومجاهدتهم ليخرجوا مما هم فيه من الظلمات الى نور الله وهداه . في حاجة الى تذكيرهم بأنهم هم الفقراء المحاويج إلى الله . وأن الله غني عنهم كل الغنى . وأنهم حين يدعون إلى الإيمان بالله وعبادته وحمده على آلائه فإن الله غني عن عبادتهم وحمدهم , وهو المحمود بذاته . وأنهم لا يعجزون الله ولا يعزون عليه فهو إن شاء أن يذهب بهم ويأتي بخلق جديد من جنسهم أو من جنس آخر يخلفهم في الأرض , فإن ذلك عليه يسير . .
الناس في حاجة إلى أن يذكروا بهذه الحقيقة , لئلا يركبهم الغرور وهم يرون أن الله - جل وعلا - يعنى بهم , ويرسل إليهم الرسل ; ويجاهد الرسل أن يردوهم عن الضلالة الى الهدى , ويخرجوهم من الظلمات إلى النور . ويركبهم الغرور فيظنون أنهم شيء عظيم على الله ! وأن هداهم وعبادتهم تزيد شيئاً في ملكه تعالى ! والله هو الغني الحميد .
وإن الله سبحانه يمنح العباد من رعايته , ويفيض عليهم من رحمته , ويغمرهم بسابغ فضله - بإرسال رسله إليهم , واحتمال هؤلاء الرسل ما يحتملون من إعراضهم وإيذائهم , وثباتهم على الدعوة إلى الله بعد الإعراض والإيذاء . . إن الله سبحانه إنما يعامل عباده هكذا رحمة منه وفضلاً وكرماً ومناً . لأن هذه صفاته المتعلقة بذاته . لا لأن هؤلاء العباد يزيدون في ملكه شيئاً بهداهم , أو ينقصون من ملكه شيئاً بعماهم . ولا لأن هؤلاء العباد مخلوقات نادرة عزيزة صعبة الإعادة أو الاستبدال , فيغتفر لهم ما يقع منهم لأنهم صنف لا يعاد ولا يستبدل .
وإن الإنسان ليدهش ويحار في فضل الله ومنه وكرمه , حين يرى هذا الإنسان الصغير الضئيل الجاهل القاصر , الضعيف العاجز , ينال من عناية الله ورعايته كل هذا القدر الهائل !
والإنسان ساكن صغير من سكان هذه الأرض . والأرض تابع صغير من توابع الشمس . والشمس نجم مما لا عد له ولا حصر من النجوم . والنجوم إن هي إلا نقط صغيرة - على ضخامتها الهائلة - متناثرة في فضاء الكون الذي لا يعلم الناس حدوده . وهذا الفضاء الذي تتناثر فيه تلك النجوم كالنقط التائهة إن هو إلا بعض خلق الله !
ثم ينال الإنسان من الله كل هذه الرعاية . . ينشئه , ويستخلفه في الأرض , ويهبه كل أدوات الخلافة - سواء في تكوينه وتركيبه أو تسخير القوى والطاقات الكونية اللازمة له في خلافته - ويضل هذا المخلوق ويتبجح حتى ليشرك بربه أو ينكره . فيرسل الله إليه الرسل , رسولاً بعد رسول , وينزل على الرسل الكتب والخوارق . ويطرد فضل الله ويفيض حتى لينزل في كتابه الأخير للبشر قصصاً يحدث بها الناس , ويقص عليهم ما وقع لأسلافهم , ويحدثهم عن ذوات أنفسهم , ويكشف لهم عما فيها من قوى وطاقات , ومن عجز وضعف , بل إنه - سبحانه - ليحدث عن فلان وفلان بالذات , فيقول لهذا:أنت فعلت وأنت تركت ,