|
في ظلال القرآن
الكريم
فصلت من الاية 1 الى الاية 2 حم (1) تَنزöيلñ مّöنَ الرَّحْمَنö الرَّحöيمö (2)
تعريف سورة فصلت قضية العقيدة بحقائقها الأساسية هي التي تعالجها هذه السورة . . الألوهية الواحدة . والحياة الآخرة . والوحي بالرسالة . يضاف إليها طريقة الدعوة إلى الله وخلق الداعية . وكل ما في السورة هو شرح لهذه الحقائق , واستدلال عليها . وعرض لآيات الله في الأنفس والآفاق , وتحذير من التكذيب بها , وتذكير بمصارع المكذبين في الأجيال السابقة , وعرض لمشاهد المكذبين يوم القيامة . وبيان أن المكذبين من الجن والإنس هم وحدهم الذين لا يسلمون بهذه الحقائق ولا يستسلمون لله وحده ; بينما السماء والأرض والشمس والقمر والملائكة . . . كلهم يسجدون لله ويخشعون ويسلمون ويستسلمون . فعن حقيقة الألوهية الواحدة يرد في مطلع السورة: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد , فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين . . و:(قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ? ذلك رب العالمين). . ويحكى عن عاد وثمود أن رسلهم قالت لهم هذه الحقيقة ذاتها: ألا تعبدوا إلا الله . . وفي وسطها يرد: (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر , واسجدوا لله الذي خلقهن). . وفي نهايتها يرد عن الحقيقة ذاتها: (ويوم يناديهم أين شركائي ? قالوا:آذناك ما منا من شهيد). . وعن قضية الآخرة يرد تهديد للذين لا يؤمنون بالآخرة: (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون). . وتختم بقوله:(ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم , ألا إنه بكل شيء محيط). . كما يرد ذكر هذه القضية في مشاهد القيامة وهي عرض لما يقع فيها يقوم على تأكيد وقوعها طبعاً . بل إن هذا الطريق أشد توكيداً لهذه القضية وتشخيصاً . وعن قضية الوحي يرد كلام كثير يكاد يجعل هذا الموضوع هو موضوع السورة الرئيسي . فهي تفتتح به في تفصيل: (حم . تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون . بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون . وقالوا:قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه , وفي آذاننا وقر , ومن بيننا وبينك حجاب , فاعمل إننا عاملون . قل:إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي . . .). . . وفي وسطها يجيء عن استقبال المشركين لهذا القرآن:(وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون). . ثم يرد تفصيل كثير لهذا الاستقبال والرد على أقوالهم فيه:(إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم , وإنه لكتاب عزيز , لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه , تنزيل من حكيم حميد . ما يقال لك:إلا ما قد قيل للرسل من قبلك . إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم . ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا:لولا فصلت آياته ? أأعجمي وعربي ? قل:هو للذين آمنوا هدى وشفاء , والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر , وهو عليهم عمى . أولئك ينادون من مكان بعيد . . .). . وأما عن طريقة الدعوة وخلق الداعية فيرد قوله:(ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً , وقال:إنني من المسلمين . ولا تستوي الحسنة ولا السيئة . ادفع بالتي هي أحسن , فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم . وما يلقاها إلا الذين صبروا , وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم . وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله , إنه هو السميع العليم). . هذه القضايا تعرض في حشد من المؤثرات الشعورية العميقة . تعرض في المجال الكوني الحافل بالآيات العظام . وتعرض في عالم النفس البشرية العجيبة التكوين . وتعرض في مجال بشري من مصارع الغابرين . وأخيراً تعرض في جو من مشاهد القيامة وتأثيرها العميق ; وبعض هذه المشاهد فريد في صوره ومواقفه يثير الدهش الشديد . ومن بين المشاهد الكونية في هذه السورة مشهد الخلق الأول للأرض والسماء بكثير من التفصيل المثير: قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ? ذلك رب العالمين . وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين . ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً . قالتا أتينا طائعين . فقضاهن سبع سماوات في يومين , وأوحى في كل سماء أمرها . وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً . ذلك تقدير العزيز العليم . . ومن بينها كذلك آيات الليل والنهار والشمس والقمر وعبادة الملائكة وخشوع الأرض بالعبادة ونبضها بالحياة: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر . لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون . فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون . ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ; فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت . إن الذي أحياها لمحيي الموتى , إنه على كل شيء قدير). . أما النفس البشرية فيكشف عن حقيقتها في هذه السورة , وتعرض على أصحابها عارية من كل ستار:(لا يسأم الإنسان من دعاء الخير , وإن مسه الشر فيؤوس قنوط , ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن:هذا لي , وما أظن الساعة قائمة , ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى , فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ . وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه , وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض). . ومن مصارع الغابرين يصور مصرع عاد ومصرع ثمود: فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق , وقالوا:من أشد منا قوة ? أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة , وكانوا بآياتنا يجحدون . فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون . وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى , فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون . ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون . . ومن مشاهد القيامة المؤثرة في هذه السورة: يوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون . حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون . وقالوا لجلودهم:لم شهدتم علينا ? قالوا:أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء . وهو خلقكم أول مرة , وإليه ترجعون . . ومنها كذلك مشهد الحنق الواضح من المخدوعين على الخادعين:(وقال الذين كفروا:ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس , نجعلهما تحت أقدامنا , ليكونا من الأسفلين !). . وهكذا تعرض حقائق العقيدة - في السورة - في هذا الحشد من المؤثرات العميقة . ولعل هذا الحشد المنوع من تلك المؤثرات يصف جو السورة , ويصور طابعها , ويرسم ظلالها . . والواقع أن القلب يجد أنه منذ مطلع السورة إلى ختامها أمام مؤثرات وإيقاعات تجول به في ملكوت السماوات والأرض , وفي أغوار النفس , وفي مصارع البشر , وفي عالم القيامة , وتوقع على أوتاره إيقاعات شتى كلها مؤثر عميق . . ويجري سياق السورة بموضوعاتها ومؤثراتها في شوطين اثنين , متماسكي الحلقات . . الشوط الأول يبدأ بالآيات التي تتحدث عن تنزيل الكتاب وطبيعته وموقف المشركين منه . وتليها قصة خلق السماء والأرض . فقصة عاد وثمود . فمشهدهم في الآخرة تشهد عليهم الأسماع والأبصار والجلود . ومن هنا يرتد إلى الحديث عنهم في الدنيا وكيف ضلوا هذا الضلال , فيذكر أن الله قيض لهم قرناء سوء من الجن والإنس . يزينون لهم ما بين أيديهم وما خلفهم . ومن آثار هذا قولهم:لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون . ثم موقفهم يوم القيامة حانقين على هؤلاء الذين خدعوهم من قرناء الجن والإنس ! وعلى الضفة الأخرى الذين قالوا:ربنا الله ثم استقاموا . وهؤلاء تتنزل عليهم الملائكة - لا قرناء السوء - يطمئنونهم ويبشرونهم ويعلنون ولايتهم لهم في الدنيا والآخرة . ويلي هذا ما جاء عن الدعوة والداعية . . وبذلك ينتهي هذا الشوط . ويليه الشوط الثاني يتحدث عن آيات الله من الليل والنهار والشمس والقمر والملائكة العابدة , والأرض الخاشعة , والحياة التي تهتز فيها وتربو بعد الموات . ويلي هذا الحديث عن الذين يلحدون في آيات الله وفي كتابه , وهنا يجيء ذلك الحديث عن هذا الكتاب . ويشار إلى كتاب موسى واختلاف قومه فيه . ويوكل أمرهم إلى الله بعد الأجل المضروب . وهنا يرد حديث عن الساعة واختصاص علم الله بها . وعلمه بما تكنه الأكمام من ثمرات , وما تكنه الأرحام من أنسال . ويعرض مشهد الكافرين وهم يسألون عن الشركاء . يلي هذا الحديث عن النفس البشرية عارية من أستارها . ومع حرص الإنسان على نفسه هكذا فإنه لا يحتاط لها فيكذب ويكفر , غير محتاط لما يعقب هذا التكذيب من دمار وعذاب . وتختم السورة بوعد من الله أن يكشف للناس عن آياته في الأنفس والآفاق حتى يتبينوا ويثقوا: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق . أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد . ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم . ألا إنه بكل شيء محيط . . وتختم السورة بهذا الإيقاع الأخير . . والآن نبدأ في التفصيل . . . الدرس الأول:1 انزال القرآن وإنكار موقف الكفار منه ودعوتهم إلى الإيمان (حم . تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآنا عربياً لقوم يعلمون . بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون . وقالوا:قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه , وفي آذاننا وقر , ومن بيننا وبينك حجاب . فاعمل إننا عاملون . قل إنما أنا بشر مثلكم , يوحى إليّ أنماَ إلهكم إله واحد , فاستقيموا إليه واستغفروه ; وويل للمشركين , الذين لا يؤتون الزكاة , وهم بالآخرة هم كافرون . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون). . سبق الحديث عن الافتتاح بالأحرف المقطعة في سور شتى . وتكرار هذا الافتتاح: ا . ميم . . يتمشى مع طريقة القرآن في تكرار الإشارة إلى الحقائق التي يلمس بها القلب البشري , لأن فطرة هذا القلب تحتاج إلى تكرار التنبيه ; فهو ينسى إذا طال عليه الأمد ; وهو يحتاج ابتداء إلى التكرار بطرق شتى لتثبيت أية حقيقة شعورية فيه . والقرآن يأخذ هذا القلب بما أودع في فطرته من خصائص واستعدادات , وفق ما يعلم خالق هذا القلب ومصرفه بما يشاء . (تنزيل من الرحمن الرحيم). . وكأن (حا . ميم)اسم للسورة . أو لجنس القرآن . إذ أنها من جنس الأحرف التي صيغ منها لفظ هذا القرآن . وهي تقع مبتدأ . . و(تنزيل من الرحمن الرحيم)خبر المبتدأ . وذكر الرحمن الرحيم عند ذكر تنزيل الكتاب ; يشير إلى الصفة الغالبة في هذا التنزيل . صفة الرحمة . التالي
|