وما من شك أن تنزيل هذا الكتاب جاء رحمة للعالمين . رحمة لمن آمنوا به واتبعوه ورحمة كذلك لغيرهم . لا من الناس وحدهم , ولكن للأحياء جميعاً . فقد سن منهجاً ورسم خطة تقوم على الخير للجميع . وأثر في حياة البشرية , وتصوراتها , ومدركاتها , وخط سيرها ; ولم يقتصر في هذا على المؤمنين به إنما كان تأثيره عالمياً ومطرداً منذ أن جاء إلى العالمين . والذين يتتبعون التاريخ البشري بإنصاف ودقة ; ويتتبعونه في معناه الإنساني العام , الشامل لجميع أوجه النشاط الإنساني , يدركون هذه الحقيقة , ويطمئنون إليها . وكثيرون منهم قد سجلوا هذا واعترفوا به في وضوح . (كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون). .
والتفصيل المحكم , وفق الأغراض والأهداف , ووفق أنواع الطبائع والعقول , ووفق البيئات والعصور , ووفق الحالات النفسية وحاجاتها المتنوعة . . التفصيل المحكم وفق هذه الاعتبارات سمة واضحة في هذا الكتاب . وقد فصلت هذه الآيات وفق تلك الاعتبارات . فصلت قرآناً عربياً (لقوم يعلمون). . لديهم الاستعداد للعلم والمعرفة والتمييز .
وقام هذا القرآن يؤدي وظيفته:
(بشيراً ونذيراً). .
يبشر المؤمنين العاملين , وينذر المكذبين المسيئين , ويبين أسباب البشرى وأسباب الإنذار , بأسلوبه العربي المبين . لقوم لغتهم العربية . ولكن أكثرهم مع هذا لم يقبل ويستجب:
(فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون)
وقد كانوا يعرضون فلا يسمعون فعلاً , ويتحامون أن يعرضوا قلوبهم لتأثير هذا القرآن القاهر . وكانوا يحضون الجماهير على عدم السماع كما سيجيء قولهم: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون). .
وأحياناً كانوا يسمعون , وكأنهم لا يسمعون , لأنهم يقاومون أثر هذا القرآن في نفوسهم ; فكأنهم صم لا يسمعون !
(وقالوا:قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه , وفي آذاننا وقر , ومن بيننا وبينك حجاب , فاعمل إننا عاملون). .
قالوا هذا إمعاناً في العناد , وتيئيساً للرسول [ ص ] ليكف عن دعوتهم , لما كانوا يجدونه في قلوبهم من وقع كلماته , على حين يريدون عامدين ألا يكونوا مؤمنين !
قالوا:قلوبنا في أغطية فلا تصل إليها كلماتك . وفي أذاننا صمم فلا تسمع دعوتك . ومن بيننا وبينك حجاب , فلا اتصال بيننا وبينك . فدعنا واعمل لنفسك فإننا عاملون لأنفسنا . أو إنهم قالوا غير مبالين:نحن لا نبالي قولك وفعلك , وإنذارك ووعيدك . فإذا شئت فامض في طريقك فإنا ماضون في طريقنا . لا نسمع لك وافعل ما أنت فاعل . وهات وعيدك الذي تهددنا به فإننا غير مبالين .
هذا نموذج مما كان يلقاه صاحب الدعوة الأول [ ص ] ثم يمضي في طريقه يدعو ويدعو , لا يكف عن الدعوة , ولا ييأس من التيئيس , ولا يستبطىء وعد الله ولا وعيده للمكذبين . كان يمضي مأموراً أن يعلن لهم أن تحقق وعيد الله ليس بيده ; فما هو إلا بشر يتلقى الوحي , فيبلغ به , ويدعو الناس إلى الله الواحد . وإلى الاستقامة على الطريق , وينذر المشركين كما أمر أن يفعل . والأمر بعد ذلك لله لا يملك منه شيئاً , فهو ليس إلا بشراً مأموراً: