والاستقامة على قولة: (ربنا الله). الاستقامة عليها بحقها وحقيقتها . الاستقامة عليها شعوراً في الضمير , وسلوكاً في الحياة . الاستقامة عليها والصبر على تكاليفها . أمر ولا شك كبير . وعسير . ومن ثم يستحق عند الله هذا الإنعام الكبير . صحبة الملائكة , وولاءهم , ومودتهم . هذه التي تبدو فيما حكاه الله عنهم . وهم يقولون لأوليائهم المؤمنين:لا تخافوا . لا تحزنوا . أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون . نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة . ثم يصورون لهم الجنة التي يوعدون تصوير الصديق لصديقه ما يعلم أنه يسره علمه ورؤيته من حظه المرتقب:(لكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون). ويزيدونها لهم جمالاً وكرامة:(نزلاً من غفور رحيم). فهي من عند الله أنزلكم إياها بمغفرته ورحمته . فأي نعيم بعد هذا النعيم ?
الدرس السابع:33 - 36 من صفات الدعاة الناجحين
ويختم هذا الشوط برسم صورة الداعية إلى الله , ووصف روحه ولفظه , وحديثه وأدبه . ويوجه إليها رسوله [ ص ] وكل داعية من أمته . وكان قد بدأ السورة بوصف جفوة المدعوين وسوء أدبهم , وتبجحهم النكير . ليقول للداعية:هذا هو منهجك مهما كانت الأمور:
(ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال:إنني من المسلمين ! ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن , فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم . وما يلقاها إلا الذين صبروا , وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم . وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله , إنه هو السميع العليم).
إن النهوض بواجب الدعوة إلى الله , في مواجهة التواءات النفس البشرية , وجهلها , واعتزازها بما ألفت , واستكبارها أن يقال:إنها كانت على ضلالة , وحرصها على شهواتها وعلى مصالحها , وعلى مركزها الذي قد تهدده الدعوة إلى إله واحد , كل البشر أمامه سواء .
إن النهوض بواجب الدعوة في مواجهة هذه الظروف أمر شاق . ولكنه شأن عظيم:
(ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله , وعمل صالحاً , وقال:إنني من المسلمين).
إن كلمة الدعوة حينئذ هي أحسن كلمة تقال في الأرض , وتصعد في مقدمة الكلم الطيب إلى السماء . ولكن مع العمل الصالح الذي يصدق الكلمة ; ومع الاستسلام لله الذي تتوارى معه الذات . فتصبح الدعوة خالصة لله ليس للداعية فيها شأن إلا التبليغ .
ولا على الداعية بعد ذلك أن تتلقى كلمته بالإعراض , أو بسوء الأدب , أو بالتبجح في الإنكار . فهو إنما يتقدم بالحسنة . فهو في المقام الرفيع ; وغيره يتقدم بالسيئة . فهو في المكان الدون:
(ولا تستوي الحسنة ولا السيئة).
وليس له أن يرد بالسيئة , فإن الحسنة لا يستوي أثرها - كما لا تستوي قيمتها - مع السيئة والصبر والتسامح , والاستعلاء على رغبة النفس في مقابلة الشر بالشر , يرد النفوس الجامحة إلى الهدوء والثقة , فتنقلب من الخصومة إلى الولاء , ومن الجماح إلى اللين:
(ادفع بالتي هي أحسن , فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم).
وتصدق هذه القاعدة في الغالبية الغالبة من الحالات . وينقلب الهياج إلى وداعة . والغضب إلى سكينة . والتبجح إلى حياء ; على كلمة طيبة , ونبرة هادئة , وبسمة حانية في وجه هائج غاضب متبجح مفلوت الزمام !