|
في ظلال القرآن
الكريم
فصلت من الاية 9 الى الاية 9 قُلْ أَئöنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بöالَّذöي خَلَقَ الْأَرْضَ فöي يَوْمَيْنö وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلöكَ رَبُّ الْعَالَمöينَ (9)
والذي خلق السماوات ونظم أمرها . وزين السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً . والذي أسلمت له السماء والأرض قيادهما طائعتين مستسلمتين . . وأنتم . . أنتم بعض سكان هذه الأرض تتأبون وتستكبرون ! ولكن النسق القرآني يعرض هذه الحقائق بطريقة القرآن التي تبلغ أعماق القلوب وتهزها هزاً . فلنحاول أن نسير مع هذا النسق بالترتيب والتفصيل: قل:أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين , وتجعلون له أنداداً . ذلك رب العالمين . وجعل فيها رواسي من فوقها , وبارك فيها , وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين . . إنه يذكر حقيقة خلق الأرض في يومين . ثم يعقب عليها قبل عرض بقية قصة الأرض . يعقب على الحلقة الأولى من قصة الأرض . (ذلك رب العالمين). . وأنتم تكفرون به وتجعلون له أنداداً . وهو خلق هذه الأرض التي أنتم عليها . فأي تبجح وأي استهتار وأي فعل قبيح ?! وما هذه الأيام:الاثنان اللذان خلق فيهما الأرض . والاثنان اللذان جعل فيهما الرواسي وقدر فيهما الأقوات , وأحل فيهما البركة . فتمت بهما الأيام الأربعة ? إنها بلا شك أيام من أيام الله التي يعلم هو مداها . وليست من أيام هذه الأرض . فأيام هذه الأرض إنما هي مقياس زمني مستحدث بعد ميلاد الأرض . وكما للأرض أيام , هي مواعيد دورتها حول نفسها أمام الشمس , فللكواكب الأخرى أيام , وللنجوم ايام . وهي غير أيام الأرض . بعضها أقصر من أيام الأرض وبعضها أطول . والأيام التي خلقت فيها الأرض اولاً , ثم تكونت فيها الجبال , وقدرت فيها الأقوات , هي أيام أخرى مقيسة بمقياس آخر , لا نعلمه , ولكننا نعرف أنه أطول بكثير من أيام الأرض المعروفة . وأقرب ما نستطيع تصوره وفق ما وصل إليه علمنا البشري أنها هي الأزمان التي مرت بها الأرض طوراً بعد طور , حتى استقرت وصلبت قشرتها وأصبحت صالحة للحياة التي نعلمها . وهذه قد استغرقت - فيما تقول النظريات التي بين أيدينا - نحو ألفي مليون سنة من سنوات أرضنا ! وهذه مجرد تقديرات علمية مستندة إلى دراسة الصخور وتقدير عمر الأرض بوساطتها . ونحن في دراسة القرآن لا نلجأ إلى تلك التقديرات على أنها حقائق نهائية . فهي في أصلها ليست كذلك . وإن هي إلا نظريات قابلة للتعديل . فنحن لا نحمل القرآن عليها ; إنما نجد أنها قد تكون صحيحة إذا رأينا بينها وبين النص القرآني تقارباً , ووجدنا أنها تصلح تفسيراً للنص القرآني بغير تمحل . فنأخذ من هذا أن هذه النظرية أو تلك أقرب إلى الصحة لأنها أقرب إلى مدلول النص القرآني . والراجح الآن في أقوال العلم أن الأرض كانت كرة ملتهبة في حالة غازية كالشمس الآن - والأرجح أنها قطعة من الشمس انفصلت عنها لسبب غير متفق على تقديره - وأنها استغرقت أزماناً طويلة حتى بردت قشرتها وصلبت . وأن جوفها لا يزال في حالة انصهار لشدة الحرارة حيث تنصهر أقسى الصخور . ولما بردت القشرة الأرضية جمدت وصلبت . وكانت في أول الأمر صخرية صلبة . طبقات من الصخر بعضها فوق بعض . وفي وقت مبكر جداً تكونت البحار من اتحاد الإيدروجين بنسبة 2 والأكسجين بنسبة 1 ومن اتحادهما ينشأ الماء . والهواء والماء على أرضنا هذه قد تعاونا على تفتيت الصخر وتشتيته , وحمله وترسيبه , حتى كانت من ذلك تربة أمكن فيها الزرع . وتعاونا على نحر الجبال والنجاد , وملء الوهاد , فلا تكاد تجد في شيء كان على الأرض أو هو كائن إلا أثر الهدم وأثر البناء . " إن هذه القشرة الأرضية في حركة دائمة , وفي تغير دائم , يهتز البحر بالموج فيؤثر فيها , ويتبخر ماء البحر . تبخره الشمس , فيصعد إلى السماء فيكون سحباً تمطر الماء عذباً , فينزل على الأرض متدفقاً , فتكون السيول , وتكون الأنهار , تجري في هذه القشرة الأرضية فتؤثر فيها . تؤثر في صخره فتحله فتبدل فيه من صخر صخراً . [ أي تحوله إلى نوع آخر من الصخور ] وهي من بعد ذلك تحمله وتنقله . ويتبدل وجه الأرض على القرون , ومئات القرون وآلافها . وتعمل الثلوج الجامدة بوجه الأرض ما يفعله الماء السائل . وتفعل الرياح بوحه الأرض ما يفعل الماء . وتفعل الشمس بوجه الأرض ما يفعله الماء والريح , بما تطلق على هذا الوجه من نار ومن نور . والأحياء على الأرض تغير من وجهها كذلك . ويغير فيها ما ينبثق فيها من جوف الأرض من براكين . " وتسأل عالم الأرض - العالم الجيولوجي - عن صخور هذه القشرة فيعدد لك من صخورها الشيء الكثير , ويأخذ يحدثك عن أنواعها الثلاثة الكبرى . " يحدثك عن الصخور النارية . تلك التي خرجت من جوف الأرض إلى ظهرها صخراً منصهراً . ثم برد . ويضرب لك منها مثلاً بالجرانيت والبازلت . ويأتيك بعينة منها يشير لك فيها إلى ما احتوته من بلورات , بيضاء وحمراء أو سوداء , ويقول لك:إن كل بلورة من هذه تدل على مركب كيماوي , له كيان بذاته . فهذه الصخور أخلاط . ويلفت فكرك إلى أنه من هذه الصخور النارية ومن أشباهها تكونت قشرة هذه الأرض عندما تمت الأرض تكونا في القديم الأقدم من الزمان . ثم قام يفعل فيها الماء , هابطاً من السماء أو جارياً في الأرض , أو جامداً في الثلج , وقام يفعل الهواء ويفعل الريح . . وقامت تفعل الشمس . قامت جميعها تغير من هذه الصخور . من طبيعتها ومن كيميائها . فولدت منها صخوراً غير تلك الصخور حتى ما يكاد يجمعها في منظر أو مخبر شيء . ; وينتقل بك الجيولوجي إلى الصنف الأكبر الثاني من الصخور . إلى الصخور التي أسموها بالمترسبة أو الراسبة , وهي تلك الصخور التي اشتقت , بفعل الماء والريح والشمس , أو بفعل الأحياء من صخور أكثر في الأرض أصالة وأعقد . وأسموها راسبة لأنها لا توجد في مواضعها الأولى . إنها حملت من بعد اشتقاق من صخورها الأولى , أو وهي في سبيل اشتقاق . حملها الماء أو حملتها الريح , ثم هبطت ورسبت واستقرت حيث هي من الأرض . ; ويضرب لك الجيولوجي مثلا للصخور الراسبة بالحجر الجيري الذي يتألف منه جبل كجبل المقطم , ومن حجره تبني القاهرة بيوتها . ويقول لك:إنه مركب كيماوي يعرف بكربونات الكلسيوم , وإنه اشتق في الأرض من عمل الأحياء أو عمل الكيمياء . ويضرب لك مثلا , بالرمل , ويقول لك:إن أكثره أكسيد السيلسيوم , وإنه مشتق كذلك , ومثلاً آخر بالطفل والصلصال , وكلها من أصول سابقة . وتسأل عن هذه الأصول السابقة التى منها اشتقت تلك الصخور الراسبة , على اختلافها , فتعلم أنها الصخور النارية . بدأت الأرض عندما انجمد سطحها من بعد انصهار , في قديم الأزل , ولا شيء على هذا السطح المنجمد غير الصخر الناري . ثم جاء الماء , وجاءت البحار , وتفاعل الصخر الناري والماء . وشركهما الهواء . شركهما غازات متفاعلة , وشركهما رياحاً عاصفة , وشركتهما الشمس ناراً ونورا . وتفاعلت كل هذه العوامل جميعاً . وفقا لما أودع فيها من طبائع . فغيرت من صخر ناري صلد غير نافع , إلى صخر نافع . صخر ينفع في بناء المساكن , وصخر ينفع في استخراج المعادن . وأهم من هذا , وأخطر من هذا , أنها استخرجت من هذا الصخر الناري الصلد , الذي لا ينفع لحياة تقوم عليه , استخرجت تربة , رسبت على سطح الأرض , مهدت لقدوم الأحياء والخلائق . إن الجرانيت لا ينفع لحرث أو زرع أو سقيا , ولكن تنفع تربة هشة لينة خرجت منه ومن أشباه له . وبظهور هذه التربة ظهر النبات , وبظهور النبات ظهر الحيوان . وتمهدت الأرض لقيام رأس الخلائق على هذه الأرض . ذلك الإنسان . . . " هذه الرحلة الطويلة كما يقدرها العلم الحديث , قد تساعدنا على فهم معنى الأيام في خلق الأرض وجعل الرواسي فوقها , والمباركة فيها , وتقدير أقواتها في أربعة ايام . . من أيام الله . . التي لا نعرف ما هي ? ما طولها ? ولكننا نعرف أنها غير أيام هذه الأرض حتماً . . ونقف لحظة أمام كل فقرة من النص القرآني قبل أن نغادر الأرض إلى السماء ! (وجعل فيها رواسي من فوقها). . وكثيراً ما يرد تسمية الجبال(رواسي)وفي بعض المواضع يعلل وجود هذه الرواسي (أن تميد بكم)أي إنها هي راسية , وهي ترسي الأرض , وتحفظ توازنها فلا تميد . . ولقد غبر زمان كان الناس يحسبون أن أرضهم هذه ثابتة راسخة على قواعد متينة ! ثم جاء زمان يقال لهم فيه الآن:إن أرضكم هذه إن هي إلا كرة صغيرة سابحة في فضاء مطلق , لا تستند إلى شيء . . ولعلهم يفزعون حين يقال لهم هذا الكلام أول مرة أو لعل منهم من ينظر بوجل عن يمينه وعن شماله خيفة أن تتأرجح به هذه الأرض أو تسقط في أعماق الفضاء ! فليطمئن . فإن يد الله تمسكها أن تزول هي والسماء . ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ! وليطمئن فإن النواميس التي تحكم هذا الكون متينة من صنع القوي العزيز ! ونعود إلى الجبال فنجد القرآن يقول إنها(رواسي)وإنها كذلك ترسي الأرض فلا تميد . ولعلها - كما قلنا في موضع آخر من هذه الظلال - تحفظ التناسق بين القيعان في المحيطات والمرتفعات في الأرض فتتوازن فلا تميد . وهذا عالم يقول: " إن كل حدث يحدث في الأرض , في سطحها أو فيما دون سطحها , يكون من أثره انتقال مادة من مكان إلى مكان يؤثر في سرعة دورانها . فليس المد والجزر هو العامل الوحيد في ذلك . [ أي في بطء سرعة الأرض كما قال قبل هذه الفقرة ] حتى ما تنقله الأنهار من مائها من ناحية في الأرض إلى ناحية يؤثر في سرعة الدوران . وما ينتقل من رياح يؤثر في سرعة الدوران . وسقوط في قاع البحار , أو بروز في سطح الأرض
السابق - التالي
|