|
في ظلال القرآن
الكريم
ق من الاية 1 الى الاية 2 ق وَالْقُرْآنö الْمَجöيدö (1) بَلْ عَجöبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذöرñ مّöنْهُمْ فَقَالَ الْكَافöرُونَ هَذَا شَيْءñ عَجöيبñ (2)
مقدمة لسورة ق كان رسول الله [ ص ] يخطب بهذه السورة في العيد والجمعة ; فيجعلها هي موضوع خطبته ومادتها , في الجماعات الحافلة . . وإن لها لشأنا . . إنها سورة رهيبة , شديدة الوقع بحقائقها , شديدة الإيقاع ببنائها التعبيري , وصورها وظلالها وجرس فواصلها . تأخذ على النفس أقطارها , وتلاحقها في خطراتها وحركاتها , وتتعقبها في سرها وجهرها , وفي باطنها وظاهرها . تتعقبها برقابة الله , التي لا تدعها لحظة واحدة من المولد , إلى الممات , إلى البعث , إلى الحشر , إلى الحساب . وهي رقابة شديدة دقيقة رهيبة . تطبق على هذا المخلوق الإنساني الضعيف إطباقا كاملا شاملا . فهو في القبضة التي لا تغفل عنه أبدا , ولا تغفل من أمره دقيقا ولا جليلا , ولا تفارقه كثيرا ولا قليلا . كل نفس معدود . وكل هاجسة معلومة . وكل لفظ مكتوب . وكل حركة محسوبة . والرقابة الكاملة الرهيبة مضروبة على وساوس القلب , كما هي مضروبة على حركة الجوارح . ولا حجاب ولا ستار دون هذه الرقابة النافذة , المطلعة على السر والنجوى اطلاعها على العمل والحركة , في كل وقت وفي كل حال . وكل هذه حقائق معلومة . ولكنها تعرض في الأسلوب الذي يبديها وكأنها جديدة , تروع الحس روعة المفاجأة ; وتهز النفس هزا , وترجها رجا , وتثير فيها رعشة الخوف , وروعة الإعجاب , ورجفة الصحو من الغفلة على الأمر المهول الرهيب ! وذلك كله إلى صور الحياة , وصور الموت , وصور البلى , وصور البعث , وصور الحشر . وإلى إرهاص الساعة في النفس وتوقعها في الحس . وإلى الحقائق الكونية المتجلية في السماء والأرض , وفي الماء والنبت , وفي الثمر والطلع . .(تبصرة وذكرى لكل عبد منيب). . وإنه ليصعب في مثل هذه السورة التلخيص والتعريف , وحكاية الحقائق والمعاني والصور والظلال , في غير أسلوبها القرآني الذي وردت فيه ; وفي غير عبارتها القرآنية التي تشع بذاتها تلك الحقائق والمعاني والصور والظلال , إشعاعا مباشرا للحس والضمير . فلنأخذ في استعراض السورة بذاتها . . والله المستعان . . الدرس الأول:1 - 11 الرد على إنكار الكفار للبعث وإقامة الأدلة عليه ق . والقرآن المجيد . بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم , فقال الكافرون:هذا شيء عجيب . أإذا متنا وكنا ترابا ? ذلك رجع بعيد . قد علمنا ما تنقص الأرض منهم , وعندنا كتاب حفيظ . بل كذبوا بالحق لما جاءهم , فهم في أمر مريج . أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ? وما لها من فروج . والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي , وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج . تبصرة وذكرى لكل عبد منيب . ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد . والنخل باسقات لها طلع نضيد . رزقا للعباد , وأحيينا به بلدة ميتا . كذلك الخروج . (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود , وعاد وفرعون وإخوان لوط , وأصحاب الأيكة وقوم تبع . كل كذب الرسل فحق وعيد . أفعيينا بالخلق الأول ; بل هم في لبس من خلق جديد). . هذا هو المقطع الأول في السورة . وهو يعالج قضية البعث , وإنكار المشركين له , وعجبهم من ذكره والقول به . ولكن القرآن لا يواجه إنكارهم لهذه القضية فيعالجه وحده . إنما هو يواجه قلوبهم المنحرفة ليردها أصلا إلى الحق , ويقوم ما فيها من عوج ; ويحاول قبل كل شيء إيقاظ هذه القلوب وهزها لتتفتح على الحقائق الكبيرة في صلب هذا الوجود . ومن ثم لا يدخل معهم في جدل ذهني لإثبات البعث . وإنما يحيي قلوبهم لتتفكر هي وتتدبر , ويلمس وجدانهم ليتأثر بالحقائق المباشرة من حوله فيستجيب . . وهو درس يحسن أن ينتفع به من يحاولون علاج القلوب ! وتبدأ السورة بالقسم . القسم بالحرف:(قاف)وبالقرآن المجيد , المؤلف من مثل هذا الحرف . بل إنه هو أول حرف في لفظ "قرآن" . . ولا يذكر المقسم عليه . فهو قسم في ابتداء الكلام , يوحي بذاته باليقظة والاهتمام . فالأمر جلل , والله يبدأ الحديث بالقسم , فهو أمر إذن له خطر . ولعل هذا هو المقصود بهذا الابتداء . إذ يضرب بعده بحرف(بل)عن المقسم عليه - بعد أن أحدث القسم أثره في الحس والقلب - ليبدأ حديثا كأنه جديد عن عجبهم واستنكارهم لما جاءهم به رسولهم في القرآن المجيد من أمر البعث والخروج: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم , فقال الكافرون:هذا شيء عجيب . أإذا متنا وكنا ترابا ? ذلك رجع بعيد . التالي
|