فمادت الأرض من تحتهم , ولم يعودوا يستقرون على شيء أبدا:(بل كذبوا بالحق لما جاءهم , فهم في أمر مريج). .
وإنه لتعبير فريد مصور مشخص لحال من يفارقون الحق الثابت , فلا يقر لهم من بعده قرار . .
إن الحق هو النقطة الثابتة التي يقف عليها من يؤمن بالحق فلا تتزعزع قدماه , ولا تضطرب خطاه , لأن الأرض ثابتة تحت قدميه لا تتزلزل ولا تخسف ولا تغوص . وكل ما حوله - عدا الحق الثابت - مضطرب مائج مزعزع مريج , لا ثبات له ولا استقرار , ولا صلابة له ولا احتمال . فمن تجاوز نقطة الحق الثابتة زلت قدماه في ذلك المضطرب المريج , وفقد الثبات والاستقرار , والطمأنينة والقرار . فهو أبدا في أمر مريج لا يستقر على حال !
ومن يفارق الحق تتقاذفه الأهواء , وتتناوحه الهواجس , وتتخاطفه الهواتف , وتمزقه الحيرة , وتقلقه الشكوك . ويضطرب سعيه هنا وهناك , وتتأرجح مواقفه إلى اليمين وإلى الشمال . وهو لا يلوذ من حيرته بركن ركين , ولا بملجأ أمين . . فهو في أمر مريج . .
إنه تعبير عجيب , يجسم خلجات القلوب , وكأنها حركة تتبعها العيون !
واستطرادا مع إيقاع الحق الثابت المستقر الراسي الشامخ - وفي الطريق إلى مناقشة اعتراضهم على حقيقة البعث - يعرض بعض مظاهر الحق في بناء الكون ; فيوجه أنظارهم إلى السماء وإلى الأرض وإلى الرواسي , وإلى الماء النازل من السماء , وإلى النخل الباسقات , وإلى الجنات والنبات . في تعبير يتناسق مع صفة الحق الثابت الراسي . . الجميل . .
(أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ? وما لها من فروج). .
إن هذه السماء صفحة من كتاب الكون تنطق بالحق الذي فارقوه . أفلم ينظروا إلى ما فيها من تشامخ وثبات واستقرار ? وإلى ما فيها بعد ذلك من زينة وجمال وبراءة من الخلل والاضطراب ! إن الثبات والكمال والجمال هي صفة السماء التي تتناسق مع السياق هنا . مع الحق وما فيه من ثبات وكمال وجمال . ومن ثم تجيء صفة البناء وصفة الزينة وصفة الخلو من الثقوب والفروج .
وكذلك الأرض صفحة من كتاب الكون القائم على الحق المستقر الأساس الجميل البهيج:
(والأرض مددناها , وألقينا فيها رواسي , وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج). .
فالامتداد في الأرض والرواسي الثابتات والبهجة في النبات . . تمثل كذلك صفة الاستقرار والثبات والجمال , التي وجه النظر إليها في السماء .
وعلى مشهد السماء المبنية المتطاولة الجميلة , والأرض الممدودة الراسية البهيجة يلمس قلوبهم , ويوجهها إلى جانب من حكمة الخلق , ومن عرض صفحات الكون:
(تبصرة وذكرى لكل عبد منيب). .
تبصرة تكشف الحجب , وتنير البصيرة , وتفتح القلوب , وتصل الأرواح بهذا الكون العجيب , وما وراءه من إبداع وحكمة وترتيب . . تبصرة ينتفع بها كل عبد منيب , يرجع إلى ربه من قريب .
وهذه هي الوصلة بين القلب البشري وإيقاعات هذا الكون الهائل الجميل . هذه هي الوصلة التي تجعل للنظر في كتاب الكون , والتعرف إليه أثرا في القلب البشري , وقيمة في الحياة البشرية . هذه هي الوصلة