مقصود بصورته هذه وحركته , والتعبير يحمل في إيقاعه وجرسه صورة هذا المشهد وفرقعته في انقضاضه وتحطمه ! وعلى مشهد التدمير والتحطيم والردم , يلوح للحاضرين من الكافرين , ولكل من يتصف بهذه الصفة بعد , بأنها في انتظارهم . هذه الوقعة المدمرة التي تدمر عليهم كل شيء وتدفنهم بين الأنقاض: (وللكافرين أمثالها)!
وتفسير هذا الأمر الهائل المروع الذي يدمر على الكافرين وينصر المؤمنين هو القاعدة الأصيلة الدائمة:
(ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا , وأن الكافرين لا مولى لهم). .
ومن كان الله مولاه وناصره فحسبه , وفيه الكفاية والغناء ; وكل ما قد يصيبه إنما هو ابتلاء وراءه الخير , لا تخليا من الله عن ولايته له , ولا تخلفا لوعد الله بنصر من يتولاهم من عباده . ومن لم يكن الله مولاه فلا مولى له , ولو اتخذ الإنس والجن كلهم أولياء . فهو في النهاية مضيع عاجز ; ولو تجمعت له كل أسباب الحماية وكل أسباب القوة التي يعرفها الناس !
الدرس الخامس:12 مقابلة بين حياة وجزاء المؤمنين والكافرين
ثم يوازن بين نصيب الذين آمنوا ونصيب الذين كفروا من المتاع بعدما بين نصيب هؤلاء وهؤلاء فيما يشتجر بينهم من قتال ونزال . مع بيان الفارق الأصيل بين متاع ومتاع:
إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار . والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام , والنار مثوى لهم . .
والذين آمنوا وعملوا الصالحات يتمتعون في الأرض أحيانا من أطيب المتاع ; ولكن الموازنة هنا إنما تقوم بين النصيب الحقيقي الضخم للمؤمنين - وهو نصيبهم في الجنة - والنصيب الكلي للكافرين الذي لا نصيب لهم سواه .
ونصيب المؤمنين يتلقونه من يد الله في جنات تجري من تحتها الأنهار . فالله هو الذي يدخلهم . وهو إذن نصيب كريم علوي رفيع . وهم ينالونه من بين يدي الله في علاه جزاء على الإيمان والصلاح , متناسقا في رفعته وكرامته مع الإرتفاع المنطلق من الإيمان والصلاح .
ونصيب الذين كفروا متاع وأكل (كما تأكل الأنعام). . وهو تصوير زري , يذهب بكل سمات الإنسان ومعالمه ; ويلقي ظلال الأكل الحيواني الشره , والمتاع الحيواني الغليظ . بلا تذوق , وبلا تعفف عن جميل أو قبيح . . إنه المتاع الذي لا ضابط له من إرادة , ولا من اختيار , ولا حارس عليه من تقوى , ولا رادع عنه من ضمير .
والحيوانية تتحقق في المتاع والأكل , ولو كان هناك ذوق مرهف للطعوم , وحس مدرب في اختيار صنوف المتاع , كما يتفق هذا لكثير من الناشئين في بيوت النعمة والثراء . وليس هذا هو المقصود . إنما المقصود هو حساسية الإنسان الذي يملك نفسه وإرادته , والذي له قيم خاصة للحياة ; فهو يختار الطيب عند الله . عن إرادة لا يخضعها ضغط الشهوة , ولا يضعفها هتاف اللذة . ولا تحسب الحياة كلها مائدة طعام , وفرصة متاع ; بلا هدف بعد ذلك ولا تقوى فيما يباح وما لا يباح !
إن الفارق الرئيسي بين الإنسان والحيوان:أن للأنسان إرادة وهدفا وتصورا خاصا للحياة يقوم على أصولها الصحيحة , المتلقاة من الله خالق الحياة . فإذا فقد هذا كله فقد أهم خصائص الإنسان المميزة لجنسه , وأهم المزايا التي من أجلها كرمه الله .