هي ; والتربية الإسلامية تعالج هذا الوهن وهذه الخواطر الفطرية بوسائلها . وقد نجحت نجاحا خارقا . ولكن هذا لا ينفي أن تكون هناك رواسب في بعض النفوس , وبخاصة في ذلك الوقت المبكر من العهد المدني . وهذه الآية بعض العلاج لهذه الرواسب . فلننظر كيف كان القرآن يأخذ النفوس . فنحن في حاجة إلى تحري خطوات القرآن في التربية . والنفوس هي النفوس:(فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم . وأنتم الأعلون . والله معكم . ولن يتركم أعمالكم). .
أنتم الأعلون . فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم . أنتم الأعلون اعتقادا وتصورا للحياة . وأنتم الأعلون ارتباطا وصلة بالعلي الأعلى . وأنتم الأعلون منهجا وهدفا وغاية . وأنتم الأعلون شعورا وخلقا وسلوكا . . ثم . . أنتم الأعلون قوة ومكانا ونصرة . فمعكم القوة الكبرى: (والله معكم). . فلستم وحدكم . إنكم في صحبة العلي الجبار القادر القهار . وهو لكم نصير حاضر معكم . يدافع عنكم . فما يكون أعداؤكم هؤلاء والله معكم ? وكل ما تبذلون , وكل ما تفعلون , وكل ما يصيبكم من تضحيات محسوب لكم , لا يضيع منه شيء عليكم: (ولن يتركم أعمالكم). . ولن يقطع منها شيئا لا يصل إليكم أثره ونتيجته وجزاؤه .
فعلام يهن ويضعف ويدعو إلى السلم , من يقرر الله - سبحانه - له أنه الأعلى . وأنه معه . وأنه لن يفقد شيئا من عمله . فهو مكرم منصور مأجور ?
هذه هي اللمسة الأولى . واللمسة الثانية تهوين من شأن هذه الحياة الدنيا , التي قد يصيبهم بعض التضحيات فيها . وتوفية كاملة في الآخرة للأجور مع عدم إبهاظهم ببذل المال مقابل هذه الأجور !
(إنما الحياة الدنيا لعب ولهو . وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم , ولا يسألكم أموالكم). .
والحياة الدنيا لعب ولهو حين لا يكون وراءها غاية أكرم وأبقى . حين تعاش لذاتها مقطوعة عن منهج الله فيها . ذلك المنهج الذي يجعلها مزرعة الآخرة ; ويجعل إحسان الخلافة فيها هو الذي يستحق وراثة الدار الباقية . وهذا هو الذي تشير إليه الفقرة التالية في الآية: (وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم). . فالإيمان والتقوى في الحياة الدنيا هو الذي يخرجها عن أن تكون لعبا ولهوا ; ويطبعها بطابع الجد , ويرفعها عن مستوى المتاع الحيواني , إلى مستوى الخلافة الراشدة , المتصلة بالملأ الأعلى . ويومئذ لن يكون ما يبذله المؤمن المتقي من عرض هذه الحياة الدنيا ضائعا ولا مقطوعا ; فعنه ينشأ الأجر الأوفى , في الدار الأبقى . . ومع هذا فإن الله لا يسأل الناس أن يبذلوا أموالهم كلها , ولا يشق عليهم في فرائضه وتكاليفه , لعلمه سبحانه بشح نفوسهم فطرة وخلقة . وهو لا يكلف نفسا إلى وسعها وهو أرحم بهم من أن يكلفهم بذلها كلها , فتضيق صدورهم وتظهر أضغانهم:
(إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا , ويخرج أضغانكم). .
وهذا النص يوحي بحكمة اللطيف الخبير , كما يوحي برحمته ولطفه بالنفوس . ويكشف عن التقدير الدقيق في تكاليف هذا الدين , ومراعاته للفطرة , وتناسقه مع بشرية البشر بكل استعداداتها , وطاقاتها , وأحوالها . فهو عقيدة ربانية لإنشاء نظام رباني إنساني . نظام رباني من ناحية أن الله هو الذي يقيم منهجه وقواعده ; وإنساني من ناحية أن الله يراعي في تكاليفه طاقة الإنسان وحاجته . والله هو الذي خلق , وهو أعلم بمن خلق , وهو اللطيف الخبير .
وفي النهاية يواجههم بواقع حالهم تجاه دعوتهم إلى البذل في سبيل الله ; ويعالج شح النفوس بالمال بالوسائل القرآنية , كما عالج شحها في ذات النفس عند الجهاد: