|
في ظلال القرآن
الكريم
نوح من الاية 15 الى الاية 18 أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طöبَاقاً (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فöيهöنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سöرَاجاً (16) وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مّöنَ الْأَرْضö نَبَاتاً (17) ثُمَّ يُعöيدُكُمْ فöيهَا وَيُخْرöجُكُمْ إöخْرَاجاً (18)
مما يملك اولئك القوم في ذلك الزمان أن يدركوه , ليرجو من وراء تذكيرهم به أن يكون له في نفوسهم وقع مؤثر , يقودهم إلى الاستجابة . والذي عليه أكثر المفسرين أنها الأطوار الجنينية من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى الهيكل إلى الخلق الكامل . . وهذا يمكن أن يدركه القوم إذا ذكر لهم . لأن الأجنة التي تسقط قبل اكتمالها في الأرحام يمكن أن تعطيهم فكرة عن هذه الأطوار . وهذا أحد مدلولات هذه الآية . ويمكن أن يكون مدلولها ما يقوله علم الأجنة . من أن الجنين في أول أمره يشبه حيوان الخلية الواحدة , ثم بعد فترة من الحمل يمثل الجنين شبه الحيوان المتعدد الخلايا . ثم يأخذ شكل حيوان مائي . ثم شكل حيوان ثديي . ثم شكل المخلوق الإنساني . . وهذا أبعد عن إدراك قوم نوح . فقد كشف هذا حديثا جدا . وقد يكون هذا هو مدلول قوله تعالى في موضع آخر بعد ذكر أطوار الجنين: ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين . . كما أن هذا النص وذاك قد تكون لهما مدلولات أخرى لم تتكشف للعلم بعد . . ولا نقيدهما . . وعلى أية حال فقد وجه نوح قومه إلى النظر في أنفسهم , وأنكر عليهم أن يكون الله خلقهم أطوارا , ثم هم بعد ذلك لا يستشعرون في أنفسهم توقيرا للجليل الذي خلقهم . . وهذا أعجب وأنكر ما يقع من مخلوق ! كذلك وجههم إلى كتاب الكون المفتوح:(ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ? وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ?). . والسماوات السبع لا يمكن حصرها في مدلول مما تقول به الفروض العلميه في التعريف بالكون . فهي كلها مجرد فروض . إنما وجه نوح قومه إلى السماء وأخبرهم - كما علمه الله - أنها سبع طباق . فيهن القمر نور وفيهن الشمس سراج . وهم يرون القمر ويرون الشمس , ويرون ما يطلق عليه اسم السماء . وهو هذا الفضاء ذو اللون الأزرق . أما ما هو ? فلم يكن ذلك مطلوبا منهم . ولم يجزم أحد إلى اليوم بشيء في هذا الشأن . . وهذا التوجيه يكفي لإثارة التطلع والتدبر فيما وراء هذه الخلائق الهائلة من قدرة مبدعة . . وهذا هو المقصود من ذلك التوجيه . ثم عاد نوح فوجه قومه إلى النظر في نشأتهم من الأرض وعودتهم إليها بالموت ليقرر لهم حقيقة إخراجهم منها بالبعث:(والله أنبتكم من الأرض نباتا , ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا). . والتعبير عن نشأة الإنسان من الأرض بالإنبات تعبير عجيب موح . وهو يكرر في القرآن في صور شتى . كقوله تعالى: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا). وهو يشير في هذا إلى نشأة الناس كنشأة النبات . كما يقرن نشأة الإنسان بنشأة النبات في مواضع متفرقة:ففي سورة الحج يجمع بينهما في آية واحدة في صدد البرهنة على حقيقة البعث فيقول:(يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة , لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا , ثم لتبلغوا أشدكم , ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا . وترى الأرض هامدة , فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج). . وفي سورة "المؤمنين" يذكر أطوار النشأة الجنينية قريبا مما ذكرت في سورة الحج ويجيء بعدها: (فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب). . وهكذا . وهي ظاهرة تستدعي النظر ولا ريب . فهي توحي بالوحدة بين أصول الحياة على وجه الأرض , وأن نشأة الإنسان من الأرض كنشأة النبات . من عناصرها الأولية يتكون . ومن عناصرها الأولية يتغذى وينمو , فهو نبات من نباتها . وهبه الله هذا اللون من الحياة كما وهب النبات ذلك اللون من الحياة . وكلاهما من نتاج السابق - التالي
|