الأرض , وكلاهما يرضع من هذه الأم ! وكذلك ينشىء الإيمان في المؤمن تصورا حقيقيا حيا لعلاقته بالأرض وبالأحياء . تصورا فيه دقة العلم وفيه حيوية الشعور . لأنه قائم على الحقيقة الحية في الضمير . وهذه ميزة المعرفة القرآنية الفريدة .
والناس الذين نبتوا من الأرض يعودون إلى جوفها مرة أخرى . يعيدهم الله إليها كما أنبتهم منها . فيختلط رفاتهم بتربتها , وتندمج ذراتهم في ذراتها , كما كانوا فيها من قبل أن ينبتوا منها ! ثم يخرجهم الذي أخرجهم أول مرة ; وينبتهم كما أنبتهم أول مرة . . مسألة سهلة يسيرة لا تستدعي التوقف عندها لحظة , حين ينظر الإنسان إليها من هذه الزاوية التي يعرضها القرآن منها !
ونوح - عليه السلام - وجه قومه إلى هذه الحقيقة لتستشعر قلوبهم يد الله وهي تنبتهم من هذه الأرض نباتا , وهي تعيدهم فيها مرة أخرى . ثم تتوقع النشأة الأخرى وتحسب حسابها , وهي كائنة بهذا اليسر وبهذه البساطة . بساطة البداهة التي لا تقبل جدلا !
وأخيرا وجه نوح قلوب قومه إلى نعمة الله عليهم في تيسير الحياة لهم على هذه الأرض وتذليلها لسيرهم ومعاشهم وانتقالهم وطرائق حياتهم:(والله جعل لكم الأرض بساطا , لتسلكوا منها سبلا فجاجا). .
وهذه الحقيقة القريبة من مشاهدتهم وإدراكهم تواجههم مواجهة كاملة , ولا يملكون الفرار منها كما كانوا يفرون من صوت نوح وإنذاره . فهذه الأرض بالقياس إليهم مبسوطة ممهدة - حتى جبالها قد جعل لهم عبرها دروبا وفجاجا , كما جعل في سهولها من باب أولى . وفي سبلها ودروبها يمشون ويركبون وينتقلون ; ويبتغون من فضل الله , ويتعايشون في يسر وتبادل للمنافع والأرزاق .
وهم كانوا يدركون هذه الحقيقة المشاهدة لهم بدون حاجة إلى دراسات علمية عويصة , يدرسون بها النواميس التي تحكم وجودهم على هذه الأرض وتيسر لهم الحياة فيها . وكلما زاد الإنسان علما أدرك من هذه الحقيقة جوانب جديدة وآفاق بعيدة .
هكذا سلك نوح - أو حاول أن يسلك - إلى آذان قومه وقلوبهم وعقولهم بشتى الأساليب , ومتنوع الوسائل في دأب طويل , وفي صبر جميل , وفي جهد نبيل , ألف سنة إلا خمسين عاما . ثم عاد إلى ربه الذي أرسله إليهم , يقدم حسابه , ويبث شكواه , في هذا البيان المفصل , وفي هذه اللهجة المؤثرة . ومن هذا البيان الدقيق نطلع على تلك الصورة النبيلة من الصبر والجهد والمشقة , وهي حلقة واحدة في سلسلة الرسالة السماوية لهذه البشرية الضالة العصية ! فماذا كان بعد كل هذا البيان ?
(قال نوح:رب إنهم عصوني , واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا . ومكروا مكرا كبارا . وقالوا لا تذرن آلهتكم , ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا . وقد أضلوا كثيرا . ولا تزد الظالمين إلا ضلالا). .
رب إنهم عصوني ! بعد كل هذا الجهاد , وبعد كل هذا العناء . وبعد كل هذا التوجيه . وبعد كل هذا التنوير . وبعد الإنذار والإطماع والوعد بالمال والبنين والرخاء . . بعد هذا كله كان العصيان . وكان السير وراء القيادات الضالة المضللة , التي تخدع الأتباع بما تملك من المال والأولاد , ومظاهر الجاه والسلطان . ممن