يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون . أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون , لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم , أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون . مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع . هل يستويان مثلا ? أفلا تذكرون ?). إن افتراء الكذب في ذاته جريمة نكراء , وظلم للحقيقة ولمن يفتري عليه الكذب . فما بال حين يكون هذا الافتراء على الله ?
(أولئك يعرضون على ربهم , ويقول الأشهاد:هؤلاء الذين كذبوا على ربهم).
إنه التشهير والتشنيع . بالإشارة:(هؤلاء). . (هؤلاء الذين كذبوا). . وعلى من ? (على ربهم)لا على أحد آخر ! إن جو الفضيحة هو الذي يرتسم في هذا المشهد , تعقبها اللعنة المناسبة لشناعة الجريمة:
(ألا لعنة الله على الظالمين). .
يقولها الأشهاد كذلك . والأشهاد هم الملائكة والرسل والمؤمنون , أو هم الناس أجمعون . فهو الخزي والتشهير - إذن - في ساحة العرض الحاشدة ! أو هو قرار الله سبحانه في شأنهم إلى جانب ذلك الخزي والتشهير على رؤوس الأشهاد:
(ألا لعنة الله على الظالمين). .
والظالمون هم المشركون . وهم الذين يفترون الكذب على ربهم ليصدوا عن سبيل الله .
(ويبغونها عوجا). .
فلا يريدون الاستقامة ولا الخطة المستقيمة , إنما يريدونها عوجا والتواء وانحرافا . يريدون الطريق أو يريدون الحياة أويريدون الأمور . . كلها بمعنى . . (وهم بالآخرة هم كافرون)ويكرر(هم)مرتين للتوكيد وتثبيت الجريمة وإبرازها في مقام التشهير .
والذين يشركون بالله - سبحانه - وهم الظالمون - إنما يريدون الحياة كلها عوجا حين يعدلون عن استقامة الإسلام . وما تنتج الدينونة لغير الله - سبحانه - إلا العوج في كل جانب من جوانب النفس , وفي كل جانب من جوانب الحياة .
إن عبودية الناس لغير الله سبحانه تنشئ في نفوسهم الذلة وقد أراد الله أن يقيمها على الكرامة . وتنشئ في الحياة الظلم والبغي وقد أراد الله أن يقيمها على القسط والعدل . وتحول جهود الناس إلى عبث في تأليه الأرباب الأرضية والطبل حولها والزمر , والنفخ فيها دائما لتكبر حتى تملأ مكان الرب الحقيقي . ولما كانت هذه الأرباب في ذاتها صغيرة هزيلة لا يمكن أن تملأ فراغ الرب الحقيقي , فإن عبادها المساكين يظلون في نصب دائب , وهم مقعد مقيم ينفخون فيها ليل نهار , ويسلطون عليها الأضواء والأنظار , ويضربون حولها بالدفوف والمزامير والترانيم والتسابيح , حتى يستحيل الجهد البشري كله من الإنتاج المثمر للحياة إلى هذا الكد البائس النكد وإلى هذا الهم المقعد المقيم . . فهل وراء ذلك عوج وهل وراء ذلك التواء ?!
(أولئك). .
البعداء المبعدون الملعونون .
(لم يكونوا معجزين في الأرض). .
فلم يكن أمرهم معجزا لله , ولو شاء لأخذهم بالعذاب في الدنيا . .
(وما كان لهم من دون الله من أولياء). .
ينصرونهم أو يمنعونهم من الله . إنما تركهم لعذاب الآخرة , ليستوفوا عذاب الدنيا وعذاب الآخرة:
(يضاعف لهم العذاب). .
فقد عاشوا معطلي المدارك مغلقي البصائر ; كأن لم يكن لهم سمع ولا بصر:
(ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون). .
(أولئك الذين خسروا أنفسهم). .
وهي أفدح الخسارة , فالذي يخسر نفسه لا يفيد شيئا مما كسب غيرها وأولئك خسروا أنفسهم فأضاعوها في الدنيا , لم يحسوا بكرامتهم الآدمية التي تتمثل في الارتفاع عن الدينونة لغير الله من العبيد . كما تتمثل في الارتفاع عن الحياة الدنيا والتطلع - مع المتاع بها - إلى ما هو أرقى وأسمى . وذلك حين كفروا بالآخرة , وحين كذبوا على ربهم غير متوقعين لقاءه . وخسروا أنفسهم في الآخرة بهذا الخزي الذي ينالهم , وبهذا العذاب الذي ينتظرهم . .
(وضل عنهم ما كانوا يفترون). .
غاب عنهم فلم يهتد إليهم ولم يجتمع عليهم ما كانوا يفترونه من الكذب على الله . فقد تبدد وذهب وضاع .
(لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون). .
الذين لا تعدل خسارتهم خسارة . وقد أضاعوا أنفسهم دنيا وأخرى .
وفي الجانب الآخر أهل الإيمان والعمل الصالح , المطمئنون إلى ربهم الواثقون به الساكنون إليه لا يشكون ولا يقلقون:
(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات . وأخبتوا إلى ربهم , أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون). .
والإخبات الطمأنينة والاستقرار والثقة والتسليم . . وهي تصور حال المؤمن مع ربه , وركونه إليه واطمئنانه لكل ما يأتي به , وهدوء نفسه وسكون قلبه , وأمنه واستقراره ورضاه:
(مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع . هل يستويان مثلا ?). .
صورة حسية تتجسم فيها حالة الفريقين . والفريق الأول كالأعمى لا يرى وكالأصم لا يسمع - والذي يعطل حواسه وجوارحه عن الغاية الكبرى منها , وهي أن تكون أدوات موصلة للقلب والعقل , ليدرك ويتدبر فكأنما هو محروم من تلك الجوارح والحواس - والفريق الثاني كالبصير يرى وكالسميع يسمع , فيهديه بصره وسمعه .
(هل يستويان مثلا ?). . .
سؤال بعد الصورة المجسمة لا يحتاج إلى إجابة لأنها إجابة مقررة .
(أفلا تذكرون). .
فالقضية في وضعها هذا لا تحتاج إلى أكثر من التذكر . فهي بديهية لا تقتضي التفكير . .
وتلك وظيفة التصوير الذي يغلب في الأسلوب القرآني في التعبير . . أن ينقل القضايا التي تحتاج لجدل فكري إلى بديهيات مقررة لا تحتاج إلى أكثر من توجيه النظر والتذكير . .