وشبهة أخرى جاهلة كذلك . هي أنه إذا كان الله يختار رسولا , فلم لا يكون من بين هؤلاء الملأ الكبراء في قومهم , المتسلطين العالين ? وهو جهل بالقيم الحقيقية لهذا المخلوق الإنساني , والتي من أجلها استحق الخلافة في الأرض بعمومه , واستحق حمل رسالة الله بخصوصيته في المختارين من صفوفه . وهذه القيم لا علاقة لها بمال أو جاه أو استطالة في الأرض , إنما هي في صميم النفس , واستعدادها للاتصال بالملأ الأعلى , بما فيها من صفاء وتفتح وقدرة على التلقي , واحتمال للأمانة وصبر على أدائها ومقدرة على إبلاغها . . . إلى آخر صفات النبوة الكريمة . . وهي صفات لا علاقة لها بمال أو جاه أو استعلاء ! ولكن الملأ من قوم نوح , كالملأ من قوم كل نبي تعميهم مكانتهم الدنيوية عن رؤية هذه الخصائص العلوية , فلا يدركون مبررا لاختصاص الرسل بالرسالة . وهي في زعمهم لا تكون لبشر . فإن كانت فهي لأمثالهم من الوجهاء العالين في الأرض !
(ما نراك إلا بشرا مثلنا). .
هذه واحدة . . أما الأخرى فأدهى:
(وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا , بادي الرأي)!!
وهم يسمون الفقراء من الناس(أراذل). . كما ينظر الكبراء دائما إلى الآخرين الذين لم يؤتوا المال والسلطان ! وأولئك هم أتباع الرسل السابقون غالبا ; لأنهم بفطرتهم أقرب إلى الاستجابة للدعوة التي تحرر الناس من العبودية للكبراء , وتصل القلوب بإله واحد قاهر عال على الأعلياء . ولأن فطرتهم لم يفسدها البطر والترف , ولم تعوقها المصالح والمظاهر عن الاستجابة ; ولأنهم لا يخافون من العقيدة في الله أن تضيع عليهم مكانة مسروقة لغفلة الجماهير واستعبادها للخرافات الوثنية في شتى صورها . وأول صور الوثنية الدينونة والعبودية والطاعة والاتباع للأشخاص الزائلة بدلا من الاتجاه بهذا كله لله وحده دون شريك . فرسالات التوحيد هي حركات التحرير الحقيقية للبشر في كل طور وفي كل أرض . ومن ثم كان يقاومها الطغاة دائما , ويصدون عنها الجماهير ; ويحاولون تشويهها واتهام الدعاة إليها بشر التهم للتشويش والتنفير .
(وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي). .
أي دون ترو ولا تفكير . . وهذه تهمة كذلك توجه دائما من الملأ العالين لجموع المؤمنين . . أنها لا تتروى ولا تفكر في اتباع الدعوات . ومن ثم فهي متهمة في اتباعها واندفاعها , ولا يليق بالكبراء أن ينهجوا نهجها , ولا أن يسلكوا طريقها . فإذا كان الأراذل يؤمنون , فما يليق إذن بالكبراء أن يؤمنوا إيمان الأراذل ; ولا أن يدعوا الأراذل يؤمنون !
(وما نرى لكم علينا من فضل). .
يدمجون الداعي بمن تبعوه من الأراذل ! ما نرى لكم علينا من فضل يجعلكم أقرب إلى الهدى , أو أعرف بالصواب . فلو كان ما معكم خيرا وصوابا لاهتدينا إليه , ولم تسبقونا أنتم إليه ! وهم يقيسون الأمور ذلك القياس الخاطيء الذي تحدثنا عنه . قياس الفضل بالمال , والفهم بالجاه , والمعرفة بالسلطان . . فذو المال أفضل . وذو الجاه أفهم . وذو السلطان أعرف !!! هذه المفاهيم وتلك القيم التي تسود دائما حين تغيب عقيدة التوحيد عن المجتمع , أو تضعف آثارها , فترتد البشرية إلى عهود الجاهلية , وإلى تقاليد الوثنية في صورة