فأدعي صفة أعلى من صفة الإنسانية في ظنكم لأرتفع في أعينكم , وأفضل نفسي بذاتي عليكم . . (ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا). .
إرضاء لكبريائكم , أو مسايرة لتقديركم الأرضي وقيمكم العرضية .
(الله أعلم بما في أنفسهم). .
فليس لي إلا ظاهرهم , وظاهرهم يدعو إلى التكريم , وإلى الرجاء في أن يؤتيهم الله خيرا . .
إني إذن لمن الظالمين . .
إن ادعيت أية دعوى من هذه الدعاوي . الظالمين للحق وقد جئت أبلغه ; والظالمين لنفسي فأعرضها لغضب الله ; والظالمين للناس فأنزلهم غير ما أنزلهم الله .
وهكذا ينفي نوح - عليه السلام - عن نفسه وعن رسالته كل قيمة زائفة وكل هالة مصطنعة يتطلبها الملأ من قومه في الرسول والرسالة . ويتقدم إليهم بها مجردة إلا من حقيقتها العظيمة التي لا تحتاج إلى مزيد من تلك الأعراض السطحية . ويردهم في نصاعة الحق وقوته , مع سماحة القول ووده إلى الحقيقة المجردة ليواجهوها , ويتخذوا لأنفسهم خطة على هداها . بلا ملق ولا زيف ولا محاولة استرضاء على حساب الرسالة وحقيقتها البسيطة . فيعطي أصحاب الدعوة في أجيالها جميعا , نموذجا للداعية , ودرسا في مواجهة أصحاب السلطان بالحق المجرد , دون استرضاء لتصوراتهم , ودون ممالأة لهم , مع المودة التي لا تنحني معها الرؤوس !
وعند هذا الحد كان الملأ من قوم نوح قد يئسوا من مناهضة الحجة بالحجة ; فإذا هم - على عادة طبقتهم - قد أخذتهم العزة بالإثم , واستكبروا أن تغلبهم الحجة , وأن يذعنوا للبرهان العقلي والفطري . وإذا هم يتركون الجدل إلى التحدي:
(قالوا:يا نوح قد جادلتنا , فأكثرت جدالنا , فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين). .
إنه العجز يلبس ثوب القدرة , والضعف يرتدي رداء القوة ; والخوف من غلبة الحق يأخذ شكل الاستهانة والتحدي:
(فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين). .
وأنزل بنا العذاب الأليم الذي أنذرتنا به فلسنا نصدقك , ولسنا نبالي وعيدك .
أما نوح فلا يخرجه هذا التكذيب والتحدي عن سمت النبي الكريم , ولا يقعده عن بيان الحق لهم , وإرشادهم إلى الحقيقة التي غفلوا عنها وجهلوها في طلبهم منه أن يأتيهم بما أوعدهم , وردهم إلى هذه الحقيقة وهي أنه ليس سوى رسول , وليس عليه إلا البلاغ , أما العذاب فمن أمر الله , وهو الذي يدبر الأمر كله , ويقدر المصلحة في تعجيل العذاب أو تأجيله , وسنته هي التي تنفذ . . وما يملك هو أن يردها أو يحولها . . إنه رسول . وعليه أن يكشف عن الحق حتى اللحظة الأخيرة , فلا يقعده عن إبلاغه وبيانه أن القوم يكذبونه ويتحدونه:
(قال:إنما يأتيكم به الله إن شاء , وما أنتم بمعجزين . ولا ينفعكم نصحي - إن أردت أن أنصح لكم - إن كان الله يريد أن يغويكم , هو ربكم وإليه ترجعون). .
فإذا كانت سنة الله تقتضي أن تهلكوا بغوايتكم , فإن هذه السنة ستمضي فيكم , مهما بذلت لكم من النصح . لا لأن الله سيصدكم عن الانتفاع بهذا النصح , ولكن لأن تصرفكم بأنفسكم يجعل سنة الله تقتضي أن تضلوا ,