الدرس الرابع:38 - 39 بين نوح وقومه أثناء صنع السفينة والمشهد الثالث من مشاهد القصة:مشهد نوح يصنع الفلك , وقد اعتزل القوم وترك دعوتهم وجدالهم:
(ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه:قال:إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون . فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم). .
والتعبير بالمضارع . فعل الحاضر . . هو الذي يعطي المشهد حيويته وجدته . فنحن نراه ماثلا لخيالنا من وراء هذا التعبير . يصنع الفلك . ونرى الجماعات من قومه المتكبرين يمرون به فيسخرون . يسخرون من الرجل الذي كان يقول لهم:إنه رسول ويدعوهم , ويجادلهم فيطيل جدالهم ; ثم إذا هو ينقلب نجارا يصنع مركبا . . إنهم يسخرون لأنهم لا يرون إلا ظاهر الأمر , ولا يعلمون ما وراءه من وحي وأمر . شأنهم دائما في إدراك الظواهر والعجز عن إدراك ما وراءها من حكمة وتقدير . فأما نوح فهو واثق عارف وهو يخبرهم في اعتزاز وثقة وطمأنينة واستعلاء أنه يبادلهم سخرية بسخرية:
(قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون). .
نسخر منكم لأنكم لا تدركون ما وراء هذا العمل من تدبير الله وما ينتظركم من مصير:
(فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم). .
أنحن أم أنتم . يوم ينكشف المستور , عن المحذور !
الدرس الخامس:40 - 41 بداية الطوفان وتحميل السفينة
ثم مشهد التعبئة عندما حلت اللحظة المرتقبة:
حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور , قلنا:احمل فيها من كل زوجين اثنين , وأهلك - إلا من سبق عليه القول - ومن آمن , وما آمن معه إلا قليل . وقال:اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها , إن ربي لغفور رحيم .
وتتفرق الأقوال حول فوران التنور , ويذهب الخيال ببعضها بعيدا , وتبدو رائحة الإسرائيليات فيها وفي قصة الطوفان كلها واضحة . أما نحن فلا نضرب في متاهة بغير دليل , في هذا الغيب الذي لا نعلم منه إلا ما يقدمه لنا النص , وفي حدود مدلوله بلا زيادة .
وأقصى ما نملك أن نقوله:إن فوران التنور - والتنور الموقد - قد يكون بعين فارت فيه , أو بفوارة بركانية . وأن هذا الفوران ربما كان علامة من الله لنوح , أو كان مصاحبا مجرد مصاحبة لمجيء الأمر , وبدءا لنفاذ هذا الأمر بفوران الأرض بالماء . وسح الوابل من السماء .
لما حدث هذا (قلنا:احمل فيها من كل زوجين اثنين . . .)كأن نظام العملية كان يقتضي أن يؤمر نوح بمراحلها واحدة واحدة في حينها . فقد أمر أولا بصنع الفلك فصنعه , ولم يذكر لنا السياق الغرض من صنعه , ولم يذكر أنه أطلع نوحا على هذا الغرض كذلك . (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور). . أمر بالمرحلة التالية . .
(قلنا:احمل فيها من كل زوجين اثنين , وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن). .
ومرة أخرى تتفرق الأقوال حول (من كل زوجين اثنين)وتشيع في الجو رائحة الإسرائيليات قوية . أما نحن فلا ندع الخيال يلعب بنا ويشتط حول النص: (احمل فيها من كل زوجين اثنين). . مما يملك نوح أن يمسك وأن يستصحب من الأحياء . وما وراء ذلك خبط عشواء . .
(وأهلك - إلا من سبق عليه القول -). .