إنها الحقيقة الكبيرة في هذا الدين . حقيقة العروة التي ترجع إليها الخيوط جميعا . عروة العقيدة التي تربط بين الفرد والفرد مالا يربطه النسب والقرابة:
(إنه ليس من أهلك . إنه عمل غير صالح). .
فهو منبت منك وأنت منبت منه , ولو كان ابنك من صلبك , فالعروة الأولى مقطوعة , فلا رابطة بعد ذلك ولا وشيجة .
ولأن نوحا دعا دعاء من يستنجز وعدا لا يراه قد تحقق . . كان الرد عليه يحمل رائحة التأنيب والتهديد:
(فلا تسألن ما ليس لك به علم . إني أعظك أن تكون من الجاهلين). .
إني أعظك خشية أن تكون من الجاهلين بحقيقة الوشائج والروابط , أو حقيقة وعد الله وتأويله , فوعد الله قد أول وتحقق , ونجا أهلك الذين هم أهلك على التحقيق .
ويرتجف نوح ارتجافة العبد المؤمن يخشى أن يكون قد زل في حق ربه , فيلجأ إليه , يعوذ به , ويطلب غفرانه ورحمته:
(قال:رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم , وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين). .
وأدركت رحمة الله نوحا , تطمئن قلبه , وتباركه هو والصالح من نسله , فأما الآخرون فيمسهم عذاب أليم:
(قيل ; يا نوح اهبط بسلام منا , وبركات عليك وعلى أمم ممن معك . وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم). .
وكانت خاتمة المطاف:النجاة والبشرى له ولمن يؤمن من ذريته ; والوعيد والتهديد لمن يريدون منهم متاع الحياة الدنيا ثم يمسهم العذاب الأليم . . ذات البشرى وذات الوعيد , اللذان مرا في مقدمة السورة . فجاء القصص ليترجمهما في الواقع المشهود . .
الدرس التاسع:49 من أهداف القصص القرآني
ومن ثم يجيء التعقيب:
(تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا , فاصبر إن العاقبة للمتقين).
فيحقق هذا التعقيب من أهداف القصص القرآني في هذه السورة:
حقيقة الوحي التي ينكرها المشركون . فهذا القصص غيب من الغيب , ما كان يعلمه النبي , وما كان معلوما لقومه , ولا متداولا في محيطه . إنما هو الوحي من لدن حكيم خبير .
وحقيقة وحدة العقيدة من لدن نوح أبي البشر الثاني . فهي هي . والتعبير عنها يكاد يكون هو التعبير .
وحقيقة تكرار الاعتراضات والاتهامات من المكذبين على الرغم من الآيات والعبر والبينات التي لا تمنع جيلا أن يرددها وقد بدت باطلة في جيل .
وحقيقة تحقق البشرى والوعيد , كما يبشر النبي وينذر , وهذا شاهد من التاريخ .
وحقيقة السنن الجارية التي لا تتخلف ولا تحابي ولا تحيد: (والعاقبة للمتقين). . فهم الناجون وهم المستخلفون .