الله في إعطاء المخلوقات هذه المقدرات والطاقات ? وكيف تترقى الحياة في مدارج الكمال المقدر لها في علم الله , وقد استخلف عليها الإنسان ليؤدي دوره في هذا المجال ? إن لكل مخلوق رزقا . هذا حق . وهذا الرزق مذخور في هذا الكون . مقدر من الله في سننه التي ترتب النتاج على الجهد . فلا يقعدن أحد عن السعي وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة . ولكن السماء والأرض تزخران بالأرزاق الكافية لجميع المخلوقات . حين تطلبها هذه المخلوقات حسب سنة الله التي لا تحابي أحدا , ولا تتخلف أو تحيد .
إنما هو كسب طيب وكسب خبيث , وكلاهما يحصل من عمل وجهد . إلا أنه يختلف في النوع والوصف . وتختلف عاقبة المتاع بهذا وذاك .
ولا ننسى المقابلة بين ذكر الدواب ورزقها هنا ; وبين المتاع الحسن الذي ذكر في التبليغ الأول . والسياق القرآني المحكم المتناسق لا تفوته هذه اللفتات الأسلوبية والموضوعية , التي تشارك في رسم الجو في السياق .
وهاتان الآيتان الكريمتان هما بدء تعريف الناس بربهم الحق الذي عليهم أن يدينوا له وحده . أي أن يعبدوه وحده . فهو العالم المحيط علمه بكل خلقه , وهو الرازق الذي لا يترك أحدا من رزقه . وهذه المعرفة ضرورية لعقد الصلة بين البشر وخالقهم ; ولتعبيد البشر للخالق الرازق العليم المحيط .
الدرس الثالث:7 الخلق وحكمته والبعث وإنكار الكفار له
ثم يمضي السياق في تعريف البشر بربهم , وإطلاعهم على آثار قدرته وحكمته . في خلق السماوات والأرض بنظام خاص في أطوار أو آماد محكمة ; لحكمة كذلك خاصة . يبرز منها السياق هنا ما يناسب البعث والحساب والعمل والجزاء:
(وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام , وكان عرشه على الماء , ليبلوكم أيكم أحسن عملا . ولئن قلت:إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا:إن هذا إلا سحر مبين). .
وخلق السماوات والأرض في ستة أيام تحدثنا عنه في سورة يونس . . وهو يساق هنا للربط بين النظام الذي يقوم عليه الكون والنظام الذي تقوم عليه حياة الناس .
(ليبلوكم أيكم أحسن عملا).
والجديد هنا في خلق السماوات والأرض هو الجملة المعترضة: (وكان عرشه على الماء)وما تفيده من أنه عند خلق السماوات والأرض أي إبرازهما إلى الوجود في شكلهما الذي انتهيا إليه كان هناك الماء ; وكان عرش الله سبحانه على الماء . .
أما كيف كان هذا الماء , وأين كان , وفي أية حالة من حالاته كان . وأما كيف كان عرش الله على هذا الماء . . فزيادات لم يتعرض لها النص , وليس لمفسر يدرك حدوده أن يزيد شيئا على مدلول النص , في هذا الغيب الذي ليس لنا من مصدر لعلمه إلا هذا النص وفي حدوده .
وليس لنا أن نتلمس للنصوص القرآنية مصداقا من النظريات التي تسمى "العلمية " - حتى ولو كان ظاهر النص يتفق مع النظرية وينطبق - فالنظريات "العلمية " قابلة دائما للانقلاب رأسا على عقب , كلما اهتدى