وهو يشهد الله ربه على براءته من قومه الضالين وانعزاله عنهم وانفصاله منهم . ويشهدهم هم أنفسهم على هذه البراءة منهم في وجوههم ; كي لا تبقى في أنفسهم شبهة من نفوره وخوفه أن يكون منهم !
وذلك كله مع عزة الإيمان واستعلائه . ومع ثقة الإيمان واطمئنانه !
وإن الإنسان ليدهش لرجل فرد يواجه قوما غلاظا شدادا حمقى . يبلغ بهم الجهل أن يعتقدوا أن هذه المعبودات الزائفة تمس رجلا فيهذي ; ويروا في الدعوة إلى الله الواحد هذيانا من أثر المس ! يدهش لرجل يواجه هؤلاء القوم الواثقين بآلهتهم المفتراة هذه الثقة , فيسفه عقيدتهم ويقرعهم عليها ويؤنبهم ; ثم يهيج ضراوتهم بالتحدي . لا يطلب مهلة ليستعد استعدادهم , ولا يدعهم يتريثون فيفثأ غضبهم .
إن الإنسان ليدهش لرجل فرد يقتحم هذا الاقتحام على قوم غلاظ شداد . ولكن الدهشة تزول عندما يتدبر العوامل والأسباب . .
إنه الإيمان . والثقة . والاطمئنان . . الإيمان بالله , والثقة بوعده , والاطمئنان إلى نصره . . الإيمان الذي يخالط القلب فإذا وعد الله بالنصر حقيقة ملموسة في هذا القلب لا يشك فيها لحظة . لأنها ملء يديه , وملء قلبه الذي بين جنبيه , وليست وعدا للمستقبل في ضمير الغيب , إنما هي حاضر واقع تتملاه العين والقلب .
(قال:إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه).
إني أشهد الله على براءتي مما تشركون من دونه . واشهدوا أنتم شهادة تبرئني وتكون حجة عليكم:أنني عالنتكم بالبراءة مما تشركون من دون الله . ثم تجمعوا أنتم وهذه الآلهة التي تزعمون أن أحدها مسني بسوء .
تجمعوا أنتم وهي - جميعا - ثم كيدوني بلا ريث ولا تمهل , فما أباليكم جميعا , ولا أخشاكم شيئا:
(إني توكلت على الله ربي وربكم). .
ومهما أنكرتم وكذبتم . فهذه الحقيقة قائمة . حقيقة ربوبية الله لي ولكم . فالله الواحد هو ربي وربكم , لأنه رب الجميع بلا تعدد ولا مشاركة . .
(ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها). .
وهي صورة محسوسة للقهر والقدرة تصور القدرة آخذة بناصية كل دابة على هذه الأرض , بما فيها الدواب من الناس . والناصية أعلى الجبهة . فهو القهر والغلبة والهيمنة , في صورة حسية تناسب الموقف , وتناسب غلظة القوم وشدتهم , وتناسب صلابة أجسامهم وبنيتهم , وتناسب غلظ حسهم ومشاعرهم . . وإلى جانبها تقرير استقامة السنة الإلهية في اتجاهها الذي لا يحيد:
(إن ربي على صراط مستقيم). .
فهي القوة والاستقامة والتصميم .
وفي هذه الكلمات القوية الحاسمة ندرك سر ذلك الاستعلاء وسر ذلك التحدي . . إنها ترسم صورة الحقيقة التي يجدها نبي الله هود - عليه السلام - في نفسه من ربه . . إنه يجد هذه الحقيقة واضحة . . إن ربه ورب الخلائق قوي قاهر: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها). . وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهرا . فما خوفه من هذه الدواب وما احتفاله بها ; وهي لا تسلط عليه - إن سلطت - إلا بإذن ربه ? وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه ?