إن هذه الحقيقة التي يجدها صاحب الدعوة في نفسه , لا تدع في قلبه مجالا للشك في عاقبة أمره , ولا مجالا للتردد عن المضي في طريقه .
إنها حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب الصفوة المؤمنة أبدا .
وعند هذا الحد من التحدي بقوة الله , وإبراز هذه القوة في صورتها القاهرة الحاسمة , يأخذ هود في الإنذار والوعيد:
(فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم). .
فأديت واجبي لله , ونفضت يدي من أمركم لتواجهوا قوة الله سبحانه:
(ويستخلف ربي قوما غيركم). .
يليقون بتلقي دعوته ويستقيمون على هدايته بعد إهلاككم ببغيكم وظلمكم وانحرافكم .
(ولا تضرونه شيئا). .
فما لكم به من قوة , وذهابكم لا يترك في كونه فراغا ولا نقصا . .
(إن ربي على كل شيء حفيظ). .
يحفظ دينه وأولياءه وسننه من الأذى والضياع , ويقوم عليكم فلا تفلتون ولا تعجزونه هربا !
وكانت هي الكلمة الفاصلة . وانتهى الجدل والكلام . ليحق الوعيد والإنذار:
(ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا . ونجيناهم من عذاب غليظ).
لما جاء أمرنا بتحقيق الوعيد , وإهلاك قوم هود , نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة مباشرة منا , خلصتهم من العذاب العام النازل بالقوم , واستثنتهم من أن يصيبهم بسوء . وكانت نجاتهم من عذاب غليظ حل بالمكذبين . ووصف العذاب بأنه غليظ بهذا التصوير المجسم , يتناسق مع الجو , ومع القوم الغلاظ العتاة .
والآن وقد هلكت عاد . يشار إلى مصرعها إشارة البعد , ويسجل عليها ما اقترفت من ذنب , وتشيع باللعنة والطرد , في تقرير وتكرار وتوكيد:
(وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد . وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة . ألا إن عادا كفروا ربهم . ألا بعدا لعاد قوم هود). .
(وتلك عاد). . بهذا البعد . وقد كان ذكرهم منذ لحظة في السياق , وكان مصرعهم معروضا على الأنظار . . ولكنهم انتهوا وبعدوا عن الأنظار والأفكار . .
(وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله). .
وهم عصوا رسولا واحدا . ولكن أليست هي رسالة واحدة جاء بها الرسل جميعا ? فمن لم يسلم لرسول بها فقد عصى الرسل جميعا . ولا ننسى أن هذا الجمع في الآيات وفي الرسل مقصود من ناحية أسلوبية أخرى لتضخيم جريمتهم وإبراز شناعتها . فهم جحدوا آيات , وهم عصوا رسلا . فما أضخم الذنب وما أشنع الجريمة !
(واتبعوا أمر كل جبار عنيد). .
أمر كل متسلط عليهم , معاند لا يسلم بحق , وهم مسؤولون أن يتحرروا من سلطان المتسلطين , ويفكروا بأنفسهم لأنفسهم . ولا يكونوا ذيولا فيهدروا آدميتهم .