ثم نقف من القصة أمام الجاهلية التي ترى في الرشد ضلالا ; وفي الحق عجيبة لا تكاد تتصورها ! فصالح الذي كان مرجوا في قومه , لصلاحه ولرجاحة عقله وخلقه , يقف منه قومه موقف اليائس منه , المفجوع فيه ! لماذا ? لأنه دعاهم إلى الدينونة لله وحده . على غير ما ورثوا عن آباءهم من الدينونة لغيره !
إن القلب البشري حين ينحرف شعرة واحدة عن العقيدة الصحيحة , لا يقف عند حد في ضلاله وشروده . حتى إن الحق البسيط الفطري المنطقي ليبدو عنده عجيبة العجائب التي يعجز عن تصورها ; بينما هو يستسيغ الانحراف الذي لا يستند إلى منطق فطري أو منطق عقلي على الإطلاق !
إن صالحا يناديهم: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها . .). . فهو يناديهم بما في نشأتهم ووجودهم في الأرض من دليل فطري منطقي لا يملكون له ردا . . وهم ما كانوا يزعمون أنهم هم انشأوا أنفسهم , ولا انهم هم كفلوا لأنفسهم البقاء , ولا أعطوا أنفسهم هذه الارزاق التي يستمتعون بها في الأرض . .
وظاهر أنهم لم يكونوا يجحدون أن الله - سبحانه - هو الذي أنشأهم من الأرض , وهو الذي أقدرهم على عمارتها . ولكنهم ما كانوا يتبعون هذا الاعتراف بألوهية الله - سبحانه - وإنشائه لهم واستخلافهم في الأرض , بما ينبغي أن يتبعه من الدينونة لله وحده بلا شريك , واتباع أمره وحده بلا منازع . . وهو ما يدعوهم إليه صالح بقوله: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره). .
لقد كانت القضية هي ذاتها . . قضية الربوبية لا قضية الألوهية . قضية الدينونة والحاكمية قضية الاتباع والطاعة . . إنها القضية الدائمة التي تدور عليها معركة الإسلام مع الجاهلية !
الوحدة الرابعة:69 - 83 لقطات من قصة إبراهيم ولوط عليهم السلام
مقدمة الوحدة يلم السياق في مروره التاريخي بالمستخلفين من عهد نوح , وبالأمم التي بوركت والأمم التي كتب عليها العذاب . . يلم بطرف من قصة إبراهيم , تتحق فيه البركات , في الطريق إلى قصة قوم لوط الذين مسهم العذاب الأليم . وفي قصتي إبراهيم ولوط هنا يتحقق وعد الله بطرفيه لنوح:(قيل:يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك . وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم). . وقد كانت البركات في إبراهيم وعقبه من ولديه:إسحاق وأبنائه أنبياء بني إسرائيل . وإسماعيل ومن نسله خاتم الأنبياء المرسلين .
الدرس الأول:69 - 76 قصة إبراهيم مع ضيوفه الملائكة
(ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى). .
ولا يفصح السياق عن هذه البشرى إلا في موعدها المناسب بحضور امرأة إبراهيم ! والرسل:الملائكة . وهم هنا مجهولون , فلا ندخل - مع المفسرين - في تعريفهم وتحديد من هم بلا دليل .
(قالوا:سلاما . قال:سلام). .
وكان إبراهيم قد هاجر من أرض الكلدانيين مسقط رأسه في العراق , وعبر الأردن , وسكن في أرض كنعان في البادية - وعلى عادة البدو في إكرام الأضياف راح إبراهيم يحضر لهم الطعام وقد ظنهم ضيوفا -:
(فما لبث أن جاء بعجل حنيذ). .
أي سمين مشوي على حجارة الرضف المحماة .
ولكن الملائكة لا يأكلون طعام أهل الأرض:
(فلما رأى أيديهم لا تصل إليه). .
أى لا تمتد إليه .
(نكرهم وأوجس منهم خيفة). .
فالذي لا يأكل الطعام يريب , ويشعر بأنه ينوي خيانة أو غدرا بحسب تقاليد أهل البدو . . وأهل الريف