(فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط . إن إبراهيم لحليم أواه منيب).
والحليم الذي يحتمل أسباب الغضب فيصبر ويتأنى ولا يثور . والأواه الذي يتضرع في الدعاء من التقوى . والمنيب الذي يعود سريعا إلى ربه . . وهذه الصفات كلها قد دعت إبراهيم أن يجادل الملائكة في مصير قوم لوط وإن كنا لا نعلم كيف كان هذا الجدال لأن النص القرآني لم يفصله , فجاءه الرد بأن أمر الله فيهم قد قضي وإنه لم يعد للجدال مجال:
(يا إبراهيم أعرض عن هذا , إنه قد جاء أمر ربك , وإنهم آتيهم عذاب غير مردود). .
الدرس الثاني:77 - 83 لقطات من قصة لوط مع قومه
ويسكت السياق . وقد سكت - ولا شك - إبراهيم . . ويسدل الستار على مشهد إبراهيم وزوجه ليرفع هناك على مشهد حافل بالحركة والانفعال مع لوط . وقوم لوط في مدن الأردن:عمورية وسدوم .
(ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا , وقال:هذا يوم عصيب !). .
لقد كان يعرف قومه . ويعرف ما أصاب فطرتهم من انحراف وشذوذ عجيبين . إذ يتركون النساء إلى الرجال , مخالفين الفطرة التي تهتدي إلى حكمة خلق الأحياء جميعا أزواجا , كي تمتد الحياة بالنسل ما شاء لها الله . والتي تجد اللذة الحقيقة في تلبية نداء الحكمة الأزلية , لا عن تفكير وتدبير , ولكن عن اهتداء واستقامة . والبشرية تعرف حالات مرضية فردية شاذة , ولكن ظاهرة قوم لوط عجيبة . وهي تشير إلى أن المرض النفسي يعدي كالمرض الجسدي . وأنه يمكن أن يروج مرض نفسي كهذا نتيجة لاختلال المقاييس في بيئة من البيئات , وانتشار المثل السيء , عن طريق إيحاء البيئة المريضة . على الرغم من مصادمته للفطرة , التي يحكمها الناموس الذي يحكم الحياة . الناموس الذي يقتضي أن تجد لذتها فيما يلبي حاجة الحياة لا فيما يصادمها ويعدمها . والشذود الجنسي يصادم الحياة ويعدمها , لأنه يذهب ببذور الحياة في تربة خبيثة لم تعد لاستقبالها وإحيائها . بدلا من الذهاب بها إلى التربة المستعدة لتلقيها وإنمائها . ومن أجل هذا تنفر الفطرة السليمة نفورا فطريا - لا أخلاقيا فحسب - من عمل قوم لوط . لأن هذه الفطرة محكومة بقانون الله في الحياة . الذي يجعل اللذة الطبيعية السليمة فيما يساعد على إنماء الحياة لا فيما يصدمها ويعطلها .
ولقد نجد أحيانا لذة في الموت - في سبيل غاية أسمى من الحياة الدنيا - ولكنها ليست لذة حسية إنما هي معنوية اعتبارية . على أن هذه ليست مصادفة للحياة , إنما هي إنماء لها وارتفاع بها من طريق آخر . وليست في شيء من ذلك العمل الشاذ الذي يعدم الحياة وخلاياها . .
سيء لوط بأضيافه . وهو يعلم ما ينتظرهم من قومه , ويدرك الفضيحة التي ستناله في أضيافه:
(وقال:هذا يوم عصيب)!
وبدأ اليوم العصيب !
(وجاءه قومه يهرعون إليه). .
أي يسرعون في حالة تشبه الحمى .
(ومن قبل كانوا يعملون السيئات). .
وكان هذا ما ساء الرجل بضيوفه , وما ضيق بهم ذرعه , وما دعاه إلى توقع يوم عصيب !
ورأى لوط ما يشبه الحمى في أجساد قومه المندفعين إلى داره , يهددونه في ضيفه وكرامته . فحاول أن