فهو يذكرهم بها هنا , مع ذكر الخير الباقي لهم عند الله إن آمنوا كما دعاهم , واتبعوا نصيحته في المعاملات . وهي فرع عن ذلك الإيمان . (بقية الله خير لكم . . إن كنتم مؤمنين). .
ثم يخلي بينهم وبين الله الذي دعاهم إليه , ويبين لهم أنه هو لا يملك لهم شيئا , كما أنه ليس موكلا بحفظهم من الشر والعذاب . وليس موكلا كذلك بحفظهم من الضلال ولا مسؤولا عنهم إن هم ضلوا , إنما عليه البلاغ وقد أداه:
(وما أنا عليكم بحفيظ). .
ومثل هذا الأسلوب يشعر المخاطبين بخطورة الأمر , وبثقل التبعة , ويقفهم وجها لوجه أمام العاقبة بلا وسيط ولا حفيظ .
الدرس الثاني:87 قوم مدين يرفضون تدخل الدين في حياتهم
ولكن القوم كانوا قد عتوا ومردوا على الانحراف والفساد , وسوء الاستغلال:
(قالوا:يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا , أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ? إنك لأنت الحليم الرشيد !). .
وهو رد واضح التهكم , بين السخرية في كل مقطع من مقاطعه . وإن كانت سخرية الجاهل المطموس , والمعاند بلا معرفة ولا فقه .
(أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ?). .
فهم لا يدركون - أو لا يريدون أن يدركوا - أن الصلاة هي من مقتضيات العقيدة , ومن صور العبودية والدينونة . وأن العقيدة لا تقوم بغير توحيد الله , ونبذ ما يعبدونه من دونه هم وآباؤهم , كما أنها لا تقوم إلا بتنفيذ شرائع الله في التجارة وفي تداول الأموال وفي كل شأن من شئون الحياة والتعامل . فهي لحمة واحدة لا يفترق فيها الاعتقاد عن الصلاة عن شرائع الحياة وعن أوضاع الحياة .
وقبل أن نمضي طويلا في تسفيه هذا التصور السقيم لارتباط الشعائر بالعقيدة . وارتباطهما معا بالمعاملات . . قبل أن نمضي طويلا في تسفيه هذا التصور من أهل مدين قبل ألوف السنين , يحسن أن نذكر أن الناس اليوم لا يفترقون في تصورهم ولا في إنكارهم لمثل هذه الدعوة عن قوم شعيب . وأن الجاهلية التي نعيش فيها اليوم ليست أفضل ولا أذكى ولا أكثر إدراكا من الجاهلية الأولى ! وأن الشرك الذي كان يزاوله قوم شعيب هو ذاته الشرك الذي تزاوله اليوم البشرية بجملتها - بما فيها أولئك الذين يقولون:إنهم يهود أو نصارى أو مسلمون - فكلهم يفصل بين العقيدة والشعائر . والشريعة والتعامل . فيجعل العقيدة والشعائر لله ووفق أمره , ويجعل الشريعة والتعامل لغير الله , ووفق أمر غيره . . وهذا هو الشرك في حقيقته وأصله . .
وإن كان لا يفوتنا أن اليهود وحدهم اليوم هم الذين يتمسكون بأن تكون أوضاعهم ومعاملاتهم وفق ما يزعمونه عقيدتهم وشريعتهم - وذلك بغض النظر عما في هذه العقيدة من انحراف وما في هذه الشريعة من تحريف - فلقد قامت أزمة في "الكنيست" مجلس تشريعهم في إسرائيل بسبب أن باخرة إسرائيلية تقدم لركابها - من غير اليهود - أطعمة غير شرعية . وأرغمت الشركة والسفينة على تقديم الطعام الشرعي وحده - مهما تعرضت للخسارة - فأين من يدعون أنفسهم "مسلمين ! " من هذا الاستمساك بالدين ?!!