إن بيننا اليوم - ممن يقولون:إنهم مسلمون ! - من يستنكر وجود صلة بين العقيدة والأخلاق , وبخاصة أخلاق المعاملات المادية .
وحاصلون على الشهادات العليا من جامعاتنا وجامعات العالم . يتساءلون أولا في استنكار:وما للإسلام وسلوكنا الشخصي ? ما للإسلام والعري في الشواطيء ? ما للإسلام وزي المرأة في الطريق ? ما للإسلام وتصريف الطاقة الجنسية بأي سبيل ? ما للإسلام وتناول كأس من الخمر لإصلاح المزاج ? ما للإسلام وهذا الذي يفعله "المتحضرون" ?! . . فأي فرق بين هذا وبين سؤال أهل مدين: (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ?). .
وهم يتساءلون ثانيا . بل ينكرون بشدة وعنف . أن يتدخل الدين في الاقتصاد , وأن تتصل المعاملات بالاعتقاد , أو حتى بالأخلاق من غير اعتقاد . . فما للدين والمعاملات الربوية ? وما للدين والمهارة في الغش والسرقة ما لم يقعا تحت طائلة القانون الوضعي ? لا بل إنهم يتبجحون بأن الأخلاق إذا تدخلت في الاقتصاد تفسده . وينكرون حتى على بعض أصحاب النظريات الاقتصادية الغربية - النظرية الأخلاقية مثلا - ويعدونها تخليطا من أيام زمان !
فلا يذهبن بنا الترفع كثيرا على أهل مدين في تلك الجاهلية الأولى . ونحن اليوم في جاهلية أشد جهالة , ولكنها تدعي العلم والمعرفة والحضارة , وتتهم الذين يربطون بين العقيدة في الله , والسلوك الشخصي في الحياة , والمعاملات المادية في السوق . . تتهمهم بالرجعية والتعصب والجمود !!!
وما تستقيم عقيدة توحيد الله في القلب , ثم تترك شريعة الله المتعلقة بالسلوك والمعاملة إلى غيرها من قوانين الأرض . فما يمكن أن يجتمع التوحيد والشرك في قلب واحد . والشرك ألوان . منه هذا اللون الذي نعيش به الآن . وهو يمثل أصل الشرك وحقيقته التي يلتقي عليها المشركون في كل زمان وفي كل مكان !
ويسخر أهل مدين من شعيب - كما يتوقع بالسخرية اليوم ناس على دعاة التوحيد الحق - فيقولون:
(إنك لأنت الحليم الرشيد !). .
وهم يعنون عكس معناها . فالحلم والرشد عندهم أن يعبدوا ما يعبد آباؤهم بلا تفكير , وأن يفصلوا بين العبادة والتعامل في السوق ! وكذلك هو عند المثقفين المتحضرين اليوم الذين يعيبون على المتعصبين الرجعيين !!!
الدرس الثالث:88 - 91 قوم مدين يهددون بإيذاء شعيب رغم نصحه لهم
ويتلطف شعيب تلطف صاحب الدعوة الواثق من الحق الذي معه ; ويعرض عن تلك السخرية لا يباليها وهو يشعر بقصورهم وجهلهم . . يتلطف في إشعارهم أنه على بينة من ربه كما يجده في ضميره وقلبه ; وأنه على ثقة مما يقول لأنه أوتي من العلم ما لم يؤتوا , وأنه إذ يدعوهم إلى الأمانة في المعاملة سيتأثر مثلهم بنتائجها لأنه مثلهم ذو مال وذو معاملات ; فهو لا يبغي كسبا شخصيا من وراء دعوته لهم ; فلن ينهاهم عن شيء ثم يفعله هو لتخلو له السوق ! إنما هي دعوة الإصلاح العامة لهم وله وللناس . وليس فيما يدعوهم إليه خسارة عليهم كما يتوهمون:
(قال:يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي , ورزقني منه رزقا حسنا ? وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه , إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت , وما توفيقي إلا بالله , عليه توكلت وإليه أنيب). .
(يا قوم . . .). .
في تودد وتقرب , وتذكير بالأواصر القريبة .