(أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ?). .
أجد حقيقته في نفسي وأستيقن أنه هو يوحي إلي ويأمرني بما أبلغكم إياه . وعن هذه البينة الواضحة في نفسي , أصدر واثقا مستيقنا .
(ورزقني منه رزقا حسنا). .
ومنه الثروة التي أتعامل مع الناس مثلكم فيها .
(وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه). .
فأنهاكم ثم أذهب من خلفكم فأفعل ما نهيتكم عنه لأحقق لنفسي نفعا به !
(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت). .
الإصلاح العام للحياة والمجتمع الذي يعود صلاحه بالخير على كل فرد وكل جماعة فيه ; وإن خيل إلى بعضهم أن اتباع العقيدة والخلق يفوت بعض الكسب الشخصي , ويضيع بعض الفرص . فإنما يفوت الكسب الخبيث ويضيع الفرص القذرة ; ويعوض عنهما كسبا طيبا ورزقا حلالا , ومجتمعا متضامنا متعاونا لا حقد فيه ولا غدر ولا خصام !
(وما توفيقي إلا بالله). .
فهو القادر على إنجاح مسعاي في الإصلاح بما يعلم من نيتي , وبما يجزي على جهدي .
(عليه توكلت). .
عليه وحده لا اعتمد على غيره .
(وإليه أنيب). .
إليه وحده أرجع فيما يحزبني من الأمور , وإليه وحده أتوجه بنيتي وعملي ومسعاي .
ثم يأخذ بهم في واد آخر من التذكير , فيطل بهم على مصارع قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط:
فقد يفعل هذا في مثل تلك القلوب الجاسية ما لم يفعله التوجيه العقلي اللين الذي يحتاج إلى رشد وتفكير:
ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح . وما قوم لوط منكم ببعيد . .
لا يجملنكم الخلاف معي والعناد في مواجهتي على أن تلجوا في التكذيب والمخالفة , خشية أن يصيبكم ما أصاب الأقوام قبلكم . وهؤلاء قوم لوط قريب منكم في المكان . وقريب كذلك في الزمان . فمدين كانت بين الحجاز والشام .
ثم يفتح لهم - وهم في مواجهة العذاب والهلاك - باب المغفرة والتوبة , ويطمعهم في رحمة الله والقرب منه بأرق الألفاظ وأحناها:
(واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه , إن ربي رحيم ودود). .
وهكذا يطوف بهم في مجالات العظة والتذكر والخوف والطمع , لعل قلوبهم تتفتح وتخشع وتلين .
ولكن القوم كانوا قد بلغوا من فساد القلوب , ومن سوء تقدير القيم في الحياة , وسوء التصور لدوافع العمل والسلوك , ما كشف عنه تبجحهم من قبل بالسخرية والتكذيب: