(قالوا:يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول , وإنا لنراك فينا ضعيفا , ولولا رهطك لرجمناك , وما أنت علينا بعزيز). .
فهم ضيقو الصدور بالحق الواضح , لا يريدون أن يدركوه:
(قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول). .
وهم يقيسون القيم في الحياة بمقياس القوة المادية الظاهرة:
(وإنا لنراك فينا ضعيفا). .
فلا وزن عندهم للحقيقة القوية التي يحملها ويواجههم بها .
(ولولا رهطك لرجمناك). .
ففي حسابهم عصبية العشيرة , لا عصبية الاعتقاد , وصلة الدم لا صلة القلب . ثم هم يغفلون عن غيرة الله على أوليائه فلا يضعونها في الحساب .
(وما أنت علينا بعزيز). .
لا عزة التقدير والكرامة ولا عزة الغلب والقهر . ولكننا نحسب حساب الأهل والعشيرة !
وحين تفرغ النفوس من العقيدة القويمة والقيم الرفيعة والمثل العالية ; فإنها تقبع على الأرض ومصالحها القريبة وقيمها الدنيا ; فلا ترى حرمة يومئذ لدعوة كريمة , ولا لحقيقة كبيرة ; ولا تتحرج عن البطش بالداعية إلا أن تكون له عصبة تؤويه ; وإلا أن تكون معه قوة مادية تحميه . أما حرمة العقيدة والحق والدعوة فلا وزن لها ولا ظل في تلك النفوس الفارغة الخاوية .
الدرس الرابع:92 - 95 إنهاء المواجهة بين مدين وشعيب بإهلاكهم
وعندئذ تأخذ شعيبا الغيرة على جلال ربه ووقاره ; فيتنصل من الاعتزاز برهطه وقومه ; ويجبههم بسوء التقدير لحقيقة القوى القائمة في هذا الوجود , وبسوء الأدب مع الله المحيط بما يعملون . ويلقي كلمته الفاصلة الأخيرة . ويفاصل قومه على أساس العقيدة , ويخلي بينهم وبين الله , وينذرهم العذاب الذي ينتظر أمثالهم , ويدعهم لمصيرهم الذي يختارون:
قال:يا قوم:ارهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا ? إن ربي بما تعملون محيط . ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل , سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب . .
ارهطي أعز عليكم من الله ? . .
أجماعة من البشر مهما يكونوا من القوة والمنعة فهم ناس , وهم ضعاف , وهم عباد من عباد الله . . أهؤلاء أعز عليكم من الله ? . . أهؤلاء أشد قوة ورهبة في نفوسكم من الله ?
(واتخذتموه وراءكم ظهريا). .
وهي صورة حسية للترك والإعراض , تزيد في شناعة فعلتهم , وهم يتركون الله ويعرضون عنه , وهم من خلقه , وهو رازقهم وممتعهم بالخير الذي هم فيه . فهو البطر وجحود النعمة وقلة الحياء إلى جانب الكفر والتكذيب وسوء التقدير .
(إن ربي بما تعملون محيط). .